السبت الموافق 17 - أبريل - 2021م

«1080 عاماً على تأسيسه»: الجامع الأزهر..قبلة العلم ومرجع الوسطية

«1080 عاماً على تأسيسه»: الجامع الأزهر..قبلة العلم ومرجع الوسطية

عبد الشافى مقلد

قبل 11 قرنًا من الزمان، كان ميلاد الجامع الأزهر، الذي بناه الفاطميون في عاصمة خلافتهم الناشئة بالشمال الأفريقي عام 359ه‍ 970م، حينما أنشأ القائد الفاطمي جوهر الصقلي مدينة القاهرة، وجامعها الرئيسي الذي يعرف اليوم بالجامع الأزهر، الذي يحتفي الأزهر بذكراه فى هذه الأيام المباركة.

وقد استخدم المسجد لأول مرة في عام 972، وسُمّي في بداية الأمر بجامع المنصورية، وقد كانت تسمية المسجد باسم المدينة التي يتواجد بها ممارسة شائعة في ذلك الوقت، ومع دخول الخليفة المعز لدين الله لمصر قام بتسمية المدينة بالقاهرة، وهكذا أصبح اسم المسجد جامع القاهرة، إلى أن اكتسب المسجد اسمه الحالي “الأزهر”، في الفترة ما بين المعز ونهاية عهد العزيز بالله.

ويعنى بالأزهر أي المشرق وهو صيغة المذكر لكلمة الزهراء، وهي لقب السيدة فاطمة بنت رسول الله محمد، وزوجة الخليفة الراشدي الرابع على بن أبي طالب.

وجاء إعلان شيخ الأزهر فضيلة الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب، الـ7 من رمضان من كل عام هو ذكرى تحتفي بها المشيخة والتي تتوافق مع يوم افتتاح الجامع عام 361 للهجرة. 

كان الجامع وقت إنشائه مكونا من صحن مكشوف تحيط به ثلاث ظلات أكبرها ظلة القبلة، والتي تتكون من خمس بلاطات موازية لجدار القبلة، وتذكر الروايات وجود ثلاث قباب فوق جدار القبلة أحدهما فوق المحراب القبتان فوق الركنين لكن سقطا ولم يبق لهم أثر الآن، ولايزال المحراب الأصلي موجودا في مكانه محافظا بزخرفتها الأصلية.

وينسب إلى عصر الخليفة الحافظ لدين الله أول إجراء في تغيير تخطيط الجامع عن طريق إضافة أربع بائكات تحيط بالخصم من جهاته الأربع، كما أضافت هذه التجديدات قبة فوق المربع الذي يصل الصحن بالمجاز القاطع وهي تعرف باسم قبة الحافظ وتعد هذه الزيادة آخر ما تم في العصر الفاطمي. 

وتروي الكتب التاريخية أن السلطان صلاح الدين نقل صلاة الجمعة من الأزهر إلى جامع الحاكم بأمر الله حتى لا يكون مركزًا للشيعة من أتباع الفاطمين، واستمر الجامع على هذا الحال حتى أعاد الظاهر بيبرس البندقداري إليه الصلاة.

تاريخ الجامع الأزهر

شهد الجامع في العصر المملوكي اهتمامًا كبيرًا وبدء إنشاء مدرسة على الوجه الرئيس وتعرف باسم المدرسة الكبريتية التي أنشاءها الأمير علاء الدين طبيرس نقيب الجيوش، وقد أقام الأمير اقبغا عبد الواحد ببناء مدرسة الاقبغاوية، على الجانب الأيسر من المدخل أنشأ الأمير جوهر القنفبائي المدرسة الجوهرية، ومن أهم ما تم في العصر المملوكي ما قام به السلطان قايتباي، حيث أنشأ الباب الرئيسي الواقع بين المدرسة الطبيرسية والاقبغاوية، وأنشأ رواقًا أسماه رواق المغاربة.

كما أنشأ قنصوة الغوري مئذنة تنتهي من أعلاها بقمتين، وامتدت التجديدات إلى العصر العثماني حيث زاد عبد الرحمن كتخدا من مساحتها تقارب مساحة ظلة القبلة وصنع محرابًا جديدا مع الاحتفاظ بالمحراب القديم، كما أنشاء بابًا من جهة الجنوب يعرف باسم باب الصعايدة، وبداخله مكتب لحفظ القرآن الكريم ومن الأبواب التي نشأت في هذا الزيادة باب الشوربة، ويرتبط هذا الاسم بوظيفة الباب الذي كان يحضرون الطعام الطلاب من خلاله، وقد أنشأ الباب المعروف بالمزينين نظرًا لوقوف المزينين “الحلاقين” أمامه.

وفي خلال عهد العثمانيين عام 1517م، حضر السلطان العثماني سليم الأول، كأول حاكم لهم في مصر صلاة الجمعة بالأزهر، وخلال الحملة الفرنسية على مصر كان الأزهر مركزا للمقاومة وفى رحابه خطط علماؤه لثورة القاهرة الأولى وتنادوا إليها، وتحملوا ويلاتها وامتهنت حرمته، وفى أعقاب ثورة القاهرة الثانية تعرض كبار علماء الأزهر لأقسى أنواع التعذيب والألم، وفرضت عليهم الغرامات الفادحة، وبيعت ممتلكاتهم وحلي زوجاتهم الذهبية استيفاء لها، وعقب مقتل كليبر فجع الأزهر في بعض طلبته وفي مقدمتهم سليمان الحلبي، وبينما كان الاحتلال الفرنسي يلفظ أنفاسه الأخيرة حتى صدرت الأوامر باعتقال شيخ الأزهر الشيخ عبد الله الشرقاوي، وهكذا ظلت تخيم أزمة عدم الثقة بين الأزهر وسلطات الاحتلال الفرنسي حتى آخر أيامه ورحيله عن البلاد.

وبعد انسحاب الفرنسيين من البلاد عين محمد على باشا نفسه واليًا على مصر استجابة للشعب، وسعى إلى توطيد حكمه من خلال التقرب إلى علماء الأزهر، وسار على نهجه أبناؤه وأحفاده، وكان آخرهم الملك فاروق الذي تنازل عن العرش الملكي بسبب ثورة 1952، وفي أعقاب ذلك وفي عام 1961 ووفقًا للقانون الصادر في نفس العام تم إعلان قيام جامعة الأزهر رسميًا وإنشاء العديد من الكليات.

وخلال ذلك العصر الحديث أمر الخديو إسماعيل بهدم باب الصعايدة والمكتب الذي بداخله وإعادة بنائه، كما أمر باصلاح المدرسة الاقبغاوية، كما أمر الخديو توفيق بتجديد رواق عبد الرحمن كتخدا، وتجديد الوجهة والمدخل الرئيس.

كما شهد العام 2018، نقلة نوعية غير مسبوقة للجامع حيث افتتح الرئيس عبد الفتاح السيسي، وفضيلة الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب شيخ الأزهر، وولي العهد السعودي محمد بن سلمان، أوسع عملية ترميم تمت للجامع على مر تاريخه، وقد استغرقت عملية الترميم التى تمت بمنحة من خادم الحرمين الشريفين المغفور له الملك عبدالله بن عبدالعزيز آل سعود ورعاية ودعم من خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، ثلاث سنوات، شملت تغيير وتحديث البنية التحتية بشكل كامل، بما في ذلك الأرضيات والفرش وشبكات الإضاءة والمياه والصرف والإطفاء والتهوية والصوت، وذلك وفقا لأحدث المعايير العالمية، وبخامات تماثل المستخدمة في الحرم المكى.

أروقة الأزهر.. كعبة للعلوم الإسلامية

يعد “الأزهر” واحدًا من أهم معالم الإسلامية، وهو كعبة العلم للطلاب من شتى بقاع الأرض، حيث حمل الجامع مهمة نشر العلوم الإسلامية وتدريس الفقه على اختلاف مذاهبه، ما جعله قبلة للمسلمين، وكانت بداية الجامع في عهده الأول مركزًا لتغيير المذهب السني لأهل مصر ونشر التشيع، فجعله الخليفة العزيز بالله جامعة يتم فيها تدريس العلوم الباطنية الإسماعيلية للدارسين من أفريقيا وآسيا، وكانت الدراسة آنذاك بالمجان، وفى العصر الأيوبي، وبعدما تولي صلاح الدين سلطنة مصر، أصبح جامعًا سنيًا تقوم فيه الدراسة بالمذاهب الأربع المعتمدة عند أهل السنة والجماعة من مالكية، حنيفية، شافعية وحنبلية.

وكان الجامع أقدم جامعة متكاملة الأركان في العالم، من حيث أعضاء هيئة التدريس في مختلف التخصصات والمذاهب الفقهية، وطلاب من شتى بقاع الأرض، وكتب دراسية، ومكتبات عامة، ومسكن جامعي تتوفر به كافة سُبُل الإعاشة بالمجان.

وكان الطالب يفد إلى ساحته تحدوه الرغبة في طلب العلم، ولا تصده عن رغبته قيود السن، ولا يقف في وجهه عدد السنوات التى قضاها في الدرس، وإنما يتردد على من يشاء من الأساتذة، ينهل من فيض علمهم ما أراد من السنين، ففي بداية الأمر كانت الدراسة في الجامع الأزهر تقوم على تعليم العلوم الدينية والعربية، ولم تكن به امتحانات أو شهادات، وإنما كان الشيخ يُخصَص له عمودٌ بالجامع الأزهر، ويلقى عنده دروسه في وقت معين من كل يوم، ويستمع إليه من شاء من المجاورين أو غيرهم دون قيد، فيجلسون حوله في حلقات، يسمعون له ويكتبون ما يمليه، فإذا أنس أحد الطلبة من نفسه استيعابًا للدروس ذهب إلى الشيخ وأسمعه ما حفظه أو فهمه، ويناقشه الشيخ فيه، فإذا وُفِّق الطالب في المناقشة يجيزه الشيخ، وكان عماد الدراسة إذ ذاك النقاش والحوار بين الطلبة وأساتذتهم بما يثقف العقل وينمى ملكة الفهم، وظلوا على ذلك مدة طويلة إلى أن اقتضى الحال وضع قوانين خاصة للأزهر وطلبته وعلمائه وإدارته والدراسة فيه.

تدريس العلوم

كانت العلوم التى تُدرَّس في الجامع الأزهر تربوا على عشرين علمًا منها: “الفقه، أصول الفقه، التفسير، الحديث رواية ودراية، مصطلح الحديث، التوحيد، الحكمة الفلسفية، التصوف، النحو، الصرف، المنطق، المعاني، البيان، البديع، الحساب، الجبر والمقابلة، الفلك، اللغة، الوضع، العروض، القوافي، والهيئة”.

وكانت الدراسة في الجامع تبدأ بعد صلاة الفجر حتى صلاة العشاء، وقسمت الدراسة إلى ثلاث مراحل: المرحلة الأولى، وتدرس فيها الكتب السهلة على طائفة من صغار الأساتذة، ومرحلة ثانية، وتدرس فيها الكتب المتوسطة على أساتذة أكثر كفاءة من أساتذة المرحلة الأولى، ومرحلة ثالثة، وتدرس فيها أمهات الكتب وأصعبها على يد طائفة من جهابذة العلماء، وكان الطالب إذا فرغ من دراسة الكتب الصغيرة وآنس من نفسه جواز الانتقال إلى ما هو أرقى منها انتقل من نفسه إلى حلقات المشايخ المدرسين للكتب الكبرى، وهكذا حتى يتم دراسته.

أروقة الأزهر رمز للعالمية وللترابط

تعد الأروقة المنتشرة في رحاب الجامع الأزهر أحد المدارس العالمية المشهورة خاصة وأنها مدارس لجنسيات مختلفة جاءت للدراسة برحاب الأزهر الشريف بالرغم من وجود جامعته التي تحوي عشرات الكليات المتخصصةي في كافة العلوم الدينية والدنياوية، وهي عبارة عن أروقة للمصريين تنقسم إلى 12 رواقًا هي:”رواق الصعايدة، الشراقوة، العميان، البحاروة، الفيومية، الفشنية، الشنوانية، ابن معمر، الأقبغاوية، الأحناف، الحنابلة، والعباسي”، بينما أروقة الوافدين وتضم 16 رواقًا هي:”رواق الأتراك، الشوام، الحرمين، اليمنية، الأكراد،البغادة، السليمانية، الهنود، الجاوة، المغاربة، السنارية، الدكارنة دارفور، دكارنة صليح، البرابرة، الجبرت، والبرناوية”.

وقد استمرت تلك الأروقة تؤدي دورها العلمي والاجتماعي حتى إنشاء مدينة البعوث الإسلامية في 12 ربيع الأول 1379ه- 15 سبتمبر 1959م.

 التعليقات

 أخبار ذات صلة

[wysija_form id="1"]

جميع الحقوق محفوظة لجريدة البيان 2015

عدد زوار الموقع: 49522661
تصميم وتطوير