السبت الموافق 24 - أغسطس - 2019م

وزير التعليم العالى يطارد مكاتب الشهادات المضروبة برسائل المحمول

وزير التعليم العالى يطارد مكاتب الشهادات المضروبة برسائل المحمول

كتب : عماد عنان

هل تريد أن تصبح ذو وجاهة إجتماعية في أقصر وقت ممكن؟ هل تسعى إلى الحصول على أكبر الشهادات العلمية دون عناء البحث وتحمل تعقيدات المشرفين والمحاضرين والتسكع على أروقة المكتبات من جامعة لأخرى؟ إن أردت هذا ما عليك سوى قطع تذكرة طيران في أقرب وقت والتوجه إلى القاهرة فهناك ستجد ضالتك وتعود في أقل من عام إلى بلدك حاملا شهادة الدكتوراة أو الماجستير… فقط أدفع لتحصل على ماتريد.

سوق الشهادات العلمية للباحثين العرب في مصر ، أو ما يطلق عليه « الدكاكين» بات ظاهرة لا تخفى على أحد، وبالرغم من قدم هذا الموضوع وامتداده عبر عقود طويلة مضت، إلا أنه في الأونة الأخيرة فرض نفسه على ساحة النقاش مرة أخرى، بعدما بات السوق الأول عربيًا وشرق أوسطيًا يقصده القاصي والداني بحثًا عن شهادة يزين بها بيته أو مكتبه أو يحقق من خلالها تقدمًا ورقيًا في وظيفته ومكانة رفيعة بين المجتمع.

ظاهرة عالمية

تجدر الإشارة ابتداءً إلى أن سوق الشهادات العلمية نظير مقابل مادي ليست ظاهرة مصرية أو عربية فحسب، بل هي ظاهرة عالمية في المقام الأول، وهذا ما أشار إليه الدكتور محمد إبراهيم السقا، أستاذ الاقتصاد بجامعة الكويت، في مقال له، بأن هناك عشرات المؤسسات والجامعات في مختلف دول العالم تمنح هذه الشهادات مقابل المال، حيث يطلق على هذه الجامعات والمؤسسات المانحة لتلك الشهادات «»مطاحن الدرجات Degree Mills».

السقا تطرق في مقاله إلى تقرير نشرته «CNN» إلى أن عدد الشهادات العلمية المزورة التي تباع في أمريكا تتجاوز 100 ألف شهادة سنويًا، ثلثها للدراسات العليا، حسبما جاء على لسان جورج جولين عضو مجلس الاعتماد الأكاديمي للتعليم العالي في الولايات المتحدة.

وبحسب التقرير فإن نحو 40000 دارس يحصلون على الدكتوراه بصورة قانونية في أمريكا سنويًا، ولكن في المقابل هناك نحو 50000 يشترونها بالمال، وقد وصل الفساد في هذه المسألة إلى الحد الذي استطاع فيه بعضهم الحصول على شهادات دكتوراة بأسماء قططهم أو كلابهم.

 أما عن وسائل الحصول على هذه الشهادات، أشار المقال إلى عدة وسائل منها: التزوير، وذلك بإصدار شهادة مقلدة لجامعة معروفة، أو أحيانا تبيع شهادات مزورة لجامعات حقيقية، ثم تقوم برشوة أحد العاملين في هذه الجامعات لإدراج ملف بين الملفات الخاصة بالجامعة باسم الشخص الذي حصل على الدرجة في قائمة بيانات الجامعة، على النحو الذي يبدو من خلاله أن الشخص قد حصل بالفعل على الدرجة من الجامعة.

وفي روسيا لا يختلف الوضع كثيرًا عن أمريكا، حيث تنتشر ظاهرة  بيع درجات الدكتوراه  من خلال جامعات حقيقية وقائمة، بسبب انتشار الفساد في النظام التعليمي الروسي وسوء استخدام السلطة لتحقيق مكاسب مادية، كما أن هناك آلية لتفعيل هذه الظاهرة، فلكل بحث سعر معين، وللرسالة العلمية سعر آخر، وقديمًا كانت هذه العلميات تحت السيطرة النسبية، إلا أن دخول الإنترنت وثورة الاتصالات خلال العقدين الأخيرين قد أدت إلى تغيير سوق هذه المطاحن بصورة هيكلية، ومن ثم بات من الصعب مراقبتها.

مصر الأول عربيًا

تتصدر مصر وبجدارة سوق الشهادات العلمية نظير مقابل مادي عربيًا، ومن ثم فهي قبلة الدارسين العرب الأولى، إذ بها حوالي 79 جامعة، 27 منها حكومية و4 جامعات أهلية و20 جامعة خاصة و12 أكاديمية، إضافة إلى  8 كليات عسكرية تتبع وزارة الدفاع، وأيضاً ثلاث جامعات مصرية خارج البلاد، و5 فروع لجامعات مصرية خارج البلاد.

إضافة إلى تلك الجامعات فهناك مئات المؤسسات التعليمية الخاصة غير التابعة لوزارة التعليم العالي المصرية، والتي تنتشر في السنوات الأخيرة بصورة ملفتة للنظر، وتحمل أسماء أكاديميات عالمية، مثل كمبريدج أو أكسفورد أو الجامعة الأمريكية للعلوم، ومن ثم فهي هدف أساسي للكثير من الدارسين العرب.

وبحسب شهادة البعض فإن هناك إقبال كبير على الشهادات العلمية لاسيما الماجستير والدكتوراة، لما تضفيه من وجاهة إجتماعية وعلمية لحاملها، فضلا عن تأثيرها في دعم مكانة صاحبها الوظيفية، حيث أن حاملي تلك الشهادات يتمتعون بامتيازات إدارية ومادية في وظائفهم مقارنة بغيرهم، لذا باتت قبلة للساعين للترقي.. لكن يبقى السؤال: لماذا مصر؟

لماذا الجامعات المصرية؟

من الملفت للنظر أن بعض الدارسين العرب في مصر ينتمون لدول بها الكثير من الجامعات المتقدمة علميًا، والتي تحتل مراتب جيدة في التصنيف العالمي للجامعات مقارنة بالتي في مصر، ومع ذلك فهناك رغبة لدى كثير من الدراسين في مختلف الدول العربية للحصول على درجتي الماجستير والدكتوراة من الجامعات المصرية، مايضع العديد من علامات الاستفهام يمكن الإجابة عنها من خلال شهادتين لباحثين عربيين يدرسان بالقاهرة، أحدهما بمعهد الدراسات والبحوث العربية التابع لجامعة الدول العربية، والثاني بكلية الأداب، جامعة عين شمس.

(م م أ)..باحث سعودي مسجل بدرجة الماجستير بقسم الإعلام بمعهد البحوث العربية، يبلغ من العمر 25 عامًا، يقول إن اختيار المعهد بصفة خاصة جاء بعض استطلاعه رأي بعض أصدقاءه ممن درسوا بمصر قبل ذلك، حيث أكدوا له أن الدراسات بالمعهد سهلة جدًا مقارنة بالوضع في السعودية مثلا أو بقية الجامعات المصرية الأخرى، فضلا عن مرونة المشرفين وأعضاء هيئة التدريس بالمعهد فيما يتعلق بمحاور موضوع البحث.

وبسؤاله عن عدم تسجيله في جامعات المملكة بالرغم من أن بعضها متقدم في التنصيف العالمي للجامعات، أجاب أن الوضع بالجامعات السعودية مكلف تمامًا ماديا ومرهق بشريًا، خاصة وأن معظم الموضوعات هناك تتطلب عمل ميداني شاق، كذلك غياب آليات التعامل مع العديد من أساتذة الجامعات السعودية خاصة وأن نسبية كبيرة منهم من خارج المملكة.

كما أشار إلى أن في مصر الأمر ميسر جدًا، حيث المكاتب التي تساعد الدارس في إتمام موضوع بحثه، سواء في مرحلة إعداد بحث الدبلوم في السنة الأولى من الدراسة بالمعهد، ثم إعداد خطة البحث لتقديمها للتسجيل في درجة الماجستير، وصولا إلى إعداد الرسالة باكملها، ويتوقف دور الباحث هنا على مراجعة الرسالة مع المكتب قبيل تقديمها لتشكيل لجنة المناقشة تمهيدًا لمناقشتها وإعطاءه الدرجة.

(خ ك).. باحثة كويتية مسجلة بكلية الأداب جامعة عين شمس، تبلغ من العمر 29عامًا، تقول أنها جاءت إلى مصر للحصول على شهادة الماجستير، لكنها تقيم في بلادها طيلة أيام العام لارتباطها بعملها، حيث تعمل مديرة بإحدى فروع وزارة الإعلام الكويتية، مؤكدة أن مسألة الحصول على الرسالة من مصر أفضل بمراحل من غيرها من الجامعات العربية.

الباحثة الكويتية أشارت إلى أن حصولها على الدرجة العلمية يساعدها على الترقي في وظيفتها، كما أنه يؤهلها للعمل بالمجال الأكاديمي في بلادها بعد ذلك، وبسؤالها عن كيفية إتمام رسالتها، أجابت – بكل صراحة – : لا أعمل فيها شيئًا، فهناك مكاتب لذلك، فقط أنا ادفع… وعن سعر إعداد الرسالة قالت: الورقة البحثية التي لاتتجاوز خمسة صفحات تتكلف تقريبًا مابين 100 – 150 دولار لغير المصريين، أما المصريين فلا يتجاوز 500 جنيه (30دولار)، أما رسالة الماجستير فتبلغ 1500 دولار للرسالة النظرية في مقابل 2000دولار للعملية، والدكتوراة تتراوح مابين 3000 – 5000 دولار على حسب موضوعها.

أما عن كيفية معرفتها بهذه المكاتب وأماكنها وكيفية التواصل معها، أشارت أن اعلاناتها تملآ جدران جامعة عين شمس وأجوارها، فضلا عن عشرات الصفحات على مواقع التواصل الإجتماعي التي تعرض خدماتها في مجال البحث العلمي، إضافة إلى تجارب دارسين سابقين في هذا المجال.

وبسؤال الباحثين عن موقف مشرفي الرسائل حول هذه الظاهرة، أجابا أن هذا ليس بخاف عليهم، وأن لدى اعضاء هيئة التدريس يقين كامل بأن الرسائل المقدمة تم إعدادها في مكاتب مخصصة لهذا الغرض، إلا أن المفاجأة الأبرز في إجابتهما أنهما أكدا أن بعض المشرفين على رسائل الطلاب هم في الأساس أصحاب أو مساهمين في المكاتب الخارجية التي تقوم بإعداد الرسائل العلمية للباحثين العرب.

فساد منظومة التعليم

التصريحات التي أدلى بها بعض الدارسين العرب عن كيفية حصولهم على الدرجات العلمية المرموقة من الجامعات والمعاهد المصرية تعكس وبصورة فجة حجم الفساد المتفشي داخل أروقة المؤسسات التعليمية في مصر، فضلا عما تكشفه من تدني الفكر والمناهج المستخدمة لتطوير التعليم على مدار العقود الماضية.

المضحك الباكي في هذه المسألة أن بعض الحاصلين على مؤهلات متوسطة ممن لا يحق لهم إكمال دراستهم العليا، يحملون شهادات ماجستير ودكتوراة من بعض المعاهد والأكاديميات المجهولة، في وقت قد لايتجاوز شهر واحد فقط، وهو ماتجسده الاف الشهادات التي يتم الإعلان عنها عبر السوشيال ميديا في الوقت الذي غابت فيه أجهزة الدولة الرقابية، ما جعل غير المؤهلين، من أصحاب الشهادات العليا، وحملة الكارنيهات المرموقة.

فساد منظومة التعليم في مصر عبر عنه وزير الثقافة السابق، حلمي النمنم، حين أكد في تصريحات له أن الجامعات المصرية أصبحت الأولى على مستوى العالم في نسبة السرقات العلمية، وهو مايفسر خروجها عن التصنيف العالمي السنوي للجامعات والذي يضم جامعات حديثة النشأة في الوقت الذي تستبعد فيه جامعات عريقة تاريخيًا كجامعة القاهرة التي كانت في وقت من الأوقات قبلة لعلماء وباحثي العالم.

 التعليقات

 أخبار ذات صلة

[wysija_form id="1"]
Warning: Use of undefined constant sidebar - assumed 'sidebar' (this will throw an Error in a future version of PHP) in /home/elbyan/public_html/wp-content/themes/elbyan-html/sidebar.php on line 170

انت لاتستخدم دايناميك سايدبار

جميع الحقوق محفوظة لجريدة البيان 2015

عدد زوار الموقع: 33572378
تصميم وتطوير