الأحد الموافق 08 - ديسمبر - 2019م

نانا جاورجيوس تكتب .. سد النهضة و سياسة تجويع المصريين

نانا جاورجيوس تكتب .. سد النهضة و سياسة تجويع المصريين

كان إعلان البدء في مشروع سد النهضة بعد مغادرة الرئيس مرسي لإثيوبيا بيوم واحد، ضربة مفاجأة تحمل رسالة إستهانة بمصر وبشعبها، وكأن الرئيس ذهب لإثيوبيا ليهدي لهم النيل لا لأن يحل مشكلة نقص موارده.
فالجميع يعلم أن الرئيس السادات رفض أن يمد إسرائيل بالمياه العذبة لترعة السلام حين أفتتحها، فبدأت تخترق إفريقيا تجاه الحبشة، بل وقام بتهديد رادع لإثيوبيا عام 1976، فتذكر وثائق ويكيلكس ماجاء على لسان رئيس المخابرات العامة المصرية الراحل عمر سليمان عام 2010 واصفاً الضربة العسكرية المصرية لأثيوبيا عام 1976: { الدولة الوحيدة التي لاتتعاون هي أثيوبيا، نحن مستمرون في التفاوض معهم، وبالوسائل الدبلوماسية وبالفعل نحن نناقش التعاون العسكري مع السودان، لكن إذا وصل الأمر إلى أزمة فسنقوم ببساطة بإرسال طائرة لقصف السد والعودة في نفس اليوم، أو يمكننا أن نرسل قواتنا الخاصة لتخريب السد، وأذكروا ما فعلته مصر في أواخر السبعينات، أعتقد أن ذلك كان في عام 1976، وقتما كانت إثيوبيا تحاول بناء سد كبير، فقمنا بتفجير المعدات وهي في عرض البحر في طريقها إلى إثيوبيا }

وبعد السادات أستمر مبارك على نفس نهج سياسة التهديد، مع زيادة أهماله للعلاقة الدبلوماسية بين مصر وإثيوبيا، خاصة بعد محاولة إغتياله على أراضيها، فساءت العلاقات بلغة من الإستعلاء والهيمنة من الجانب المصري، إعتماداً على قوة مصر العسكرية، فأهمل مبارك لسنوات طويلة التواصل عبر أي مؤتمرات لدول حوض النيل، مما دفع هذه الدول للتصويت لصالح بناء السد. فالخيار العسكري لايصلح الآن لأن ضرب سد النهضة سيقابله ضرب السد العالي كما هددت اثيوبيا.

ولأن دوام الحال من المحال وحيث تهاوت قوة مصر بعد الثورة، مع صعود التيار الإسلامي وإرتباط مصالحه وبقائه بضمان مصالح أمريكا وأمن إسرائيل فإستقوت إثيوبيا بتعزيز موقفها في بناء سدها بالإستعانة بدولة قوية كإسرائيل لتوقف أي تهديد ممن أن يحول دون بناء سدها، هاهي الفرصة قد سنحت لإسرائيل ولما سبق وذكره الرئيس الإسرائيلي شيمون بيريز عام1993 في «الشرق الأوسط الجديد» وأشار فيه لدق طبول حرب المياه وأنها القضية التي ستصبح من الأهمية في هذا الشرق الأوسطي الجديد.
ولكن ماحدث من مؤسسة الرئاسية في إجتماعها«السري» المذاع مباشرة على الهواء ليس سوى نوع من البلاهة والسذاجة، التي زادت موقف مصر سوءاً ليس في نظر إثيوبيا فقط بل في نظر العالم، لأنه كشف القدرات العقلية والذهنية لمن أستعان بهم سيادة الرئيس لمناقشة حل الأزمة، فخرج علينا الإجتماع بمواقف من الكوميديا السوداء الذي إستعدوا فيه كل من أمريكا وإسرائيل وإثيوبيا، وأصابنا جميعاً كمصريين بخيبة أمل وأننا سنفقد أهم مصدر لحياة الإنسان وهو نقطة المياه.

نقطة المياة هي قضية مستقبل الأمن القومي المصري وأجيالها القادمة، ولكن هل من حق أثيوبيا أن تنمي مواردها المائية والإقتصادية، نعم من حقها، ولكن ليس من حقها أن تضر بالأمن القومي المصري كدولة لمصب النيل، فالنيل الأزرق أهم مورد مائي يغذي نهر النيل داخل الأراضي المصرية حيث يشكل حوالي 85% من مياهه، كما أن نهر النيل مجرى طبيعي دولى لايخص اثيوبيا وحدها، بل وجوده قبل أن توجد دولة أثيوبيا نفسها، وهناك إتفاقيات دولية تحدد مقدار كل دولة للإستفادة منه، ولكن هل يمكننا تحقيق مصالحنا ضاربين عرض الحائط بمصالح إثيوبيا ؟ مشروع سد النهضة هو مشروع قومي بتكاتف الأثيوبيين، إذاً الحل هو أن تحقق إثيوبيا مصالحها وتنمية إقتصادها بحيث لاتضر بأمن مصر القومي وأنها دولة المصب وآخر دولة مستفادة من نهر النيل.
و رغم أن نصيب مصر من كمية المياة الحالية 55.9 مليار متر مكعب سنوياُ وهذه الكمية أساساً تمثل أزمة حقيقية نتيجة الزيادة السكانية المستمرة وثبات حِصة مصر من مياهها، ولنا أن نتخيل حال مصر بعد بناء السد والذي سيعمل على إنقاص كمية المياه إلى 40 مليار متر مكعب سنوياً، مما يؤدي لإنخفاض معدلات توليد الكهرباء بالسد العالي حوالي 30%، والخطورة لاتكمن في تحويل مجرى النهر بل في بناء السد نفسه الذي سيحتاج من خمسة إلى ستة سنوات لإمتلائه، كذلك سيتحكم في تدفق مياهه 15 فتحة ستتحكم فيها شركة كهرباء إسرائيلية، لتصبح إسرائيل هي المتحكمة في نقطة مياه الشرب التي ستصل للشعب المصري.فإن كنا نمر الآن بأزمة في مياه الشرب فكيف سيكون الوضع بعد بناء السد وسيطرة إسرائيل عليه سيطرة إستراتيجية؟!

لا أحد ينكر الدور التاريخي للكنيسة القبطية في حل أزمة مياه النيل عبر التاريخ، بدءاً من«الشدة المستنصرية العظمى» في عهد الخليفة الفاطمي المستنصر بالله والتي استمرت سبعة سنوات عجاف، وفيها قام المستنصر بالله بإرسال البطريرك ميخائيل الثاني لنجاشي الحبشة لفتح السد لتتدفق المياه بعد أن كاد النيل يجف ومات كثير من المصريين بالإضافة لبوار الأراضي ونفوق الحيوانات، وتكررت الأزمة في عهد المماليك وعهد محمد على باشا وسعيد باشا، وفي كل مرة كانت ترسل الدولة المصرية بابا الأقباط لحل أزمة مياه النيل، في وقت كانت الكنيسة الأثيوبية تابعة للكرسي السكندري المرقسي للكنيسة القبطية يقوم فيها بابا الأقباط برسامة أساقفة لها، حتى تم الإنفصال عام 1959 عندما قام البابا كيرلس السادس برسامة بطريرك جديد للكنيسة الأثيوبية، علاوة على هذا أصبح هناك حالة من التوتر من جهة الكنيسة الأثيوبية تجاه الكنيسة القبطية بعدما قام البابا شنودة برسامة أول بطريرك لإريتريا في مايو عام 1998 بعد حرب إلإستقلال بينها وبين أثيوبيا.

بالإضافة إلى أن الكنيسة الأثيوبية أصبحت مؤسسة ضمن مؤسسات الدولة وليس لها دور في إرداة شئون البلاد السياسية كما كانت قبل عام 1974 أثناء عهد الإمبراطور هيلاسلاسي. فقد زار البابا شنودة بطريرك الحبشة لحل ازمة المياه في عهد مبارك ولكنه فشل حيث أن الكنيسة الإثيوبية لاتتدخل في الشأن السياسي، وشيئ بالشيئ يُذكر فإن الكنيسة الأثيوبية قد إستولت على دير السلطان القبطي في أروشليم القدس بمساعدة إسرائيل وفشلت الكنيسة القبطية في إسترداده حتى الآن، فكيف بعد الإستيلاء على دير تاريخي هام من أديرتها، أن تتدخل وتتوسط في شأن سياسي قومي لايخصها ؟!
فاليوم تحاول مؤسسة الرئاسة توريط البابا تواضروس والكنيسة القبطية لتتصدر مشهد الأزمة مع أثيوبيا ولتعليق فشلهم السياسي على الكنيسة للنيِّل منها، وإلباس فشلهم ثوب نظرية المؤامرة بين الكنيستين، ليثور الإسلاميين ضد الكنيسة أكثر ويُضطهد الأقباط أكثر فأكثر.

سد النهضة إن كان من حق إثيوبيا إقامته في حدود ألا تضر بأمن مصر القومي، إلا أن سوء النية المتوفر عند جميع الطراف سيجعله بمثابة إعلان حرب إستراتيجية من نوع جديد، لتطويق وضييق الخناق على مصر ولو بتجويع شعبها، فالموقف خطير والوقت يمرّ دون تحرك فعلي من جانب مؤسسة الرئاسة، فالحكمة تقتدي طرق كل أبواب المباحثات بالإستعانة بخبراء وعلمائنا الإقتصاديين وأن تقوم مراكز الأبحاث وخبرائها في الموارد المائية بمباحثات جدية مع الجانب الإثيوبي والإستعانة بعلمائنا الأكفاء بمعهد بحوث الدراسات الأفريقية التابع لجامعة القاهرة المتخصين بالشئون الأفريقية. كذلك لابد أن يكون الخيار القانوني الدولي مطروح على الساحة من الآن،على الأقل كنوع من الضغط على إثيوبيا لتحقيق المصلحة المشتركة بحيث لاتجور إثيوبيا على حصة مصر في مياهه، فالقضية قضية أمن قومي ومن الخطورة لأنها تحدد مستقبل شعب بأكمله وأجياله المتعاقبة.

نهيب بالرئيس مرسي ألا يكتفي برفع يديه للسماء، لزيادة مياه النيل بالحب والدعاء وإلا سيصبح هناك تفريط في حقوق المصريين وتبديدٍ لمقدراتهم وإلإستهانة بالمجاعة التي سيُقدم عليها الشعب .
نانا جاورجيوس

 التعليقات

 أخبار ذات صلة

[wysija_form id="1"]
Warning: Use of undefined constant sidebar - assumed 'sidebar' (this will throw an Error in a future version of PHP) in /home/elbyan/public_html/wp-content/themes/elbyan-html/sidebar.php on line 170

انت لاتستخدم دايناميك سايدبار

جميع الحقوق محفوظة لجريدة البيان 2015

عدد زوار الموقع: 36235542
تصميم وتطوير