السبت الموافق 19 - سبتمبر - 2020م

محمد الإمبابي يكتب.. الساسة لا يتفاوضون

محمد الإمبابي يكتب.. الساسة لا يتفاوضون

من الغريب أن يُتهم السياسيون دائما بعدم قدرتهم على بناء الدول بسبب كثرة مفاوضاتهم، وسجالاتهم ونقاشاتهم التي لاتنتهي بحثا عن الحل، وبنظرة بسيطة على الأيدلوجيات الحاكمة للسياسة فلن تجد مفاوضات أو نقاشات تمت من أجل بناء دولة من الدول سواء كان التيار السياسي قومي، شيوعي، كولنيالي، إسلامي أصولي.
فلننظر لتجربة هتلر القومية فلن تجد فيها مفاوضات أو نقاشات حول طريقة البناء التي تنتهجها الدولة فمنذ صعد للحكم وحتى رحل لم يكن لديه مفاوضات للبناء مع آي تيارات سياسية بل إنه قضى عليها جميعا تحت شعارات التميز الأري التي ذهبت هباء، حتى ولو حقق لألمانيا التفوق لفترة محدودة فهو من جلب لها الدمار والعقوبات نتيجة عدم تفاوضه واختياره وجهة نظر واحدة هي وجهته أيضا.

أما التجربة الشيوعية في روسيا فلن تجد من الأساس سوى رؤية واحدة في كل شيء بلا تفاوض أو تشاور وهي رؤية الشيوعية فلا يُسمح لأحد بالخلاف أو الإختلاف مع الرؤية الإشتراكية بلا تفاوض أيضا فمثلا حين قررت اللجنة المركزية للحزب الشيوعي جمع الجمعيات الأدبية في الإتحاد السوفيتي، وضم جميع الأدباء والكتاب في اتحاد واحد عُرف باسم اتحاد الكتاب السوفييت وبدأ الإجتماع الأول بمشاركة 700 أديب، تقلصوا بعدها إلى خمسون فقط ووجد معظم الباقون الذين لم تتفق رؤيتهم مع الواقعية الإشتراكية مقتولين في حملات التطهير الستالينية أو هاربين من جحيم سياسة البناء الذي اتخذها النظام الشيوعي للبناء؛ فعجز الأدب الروسي من حينها عن إنجاب ديستويفسكي وتشيخوف وتولوستوي.
عن الإصولية الإسلامية فحدث ولا حرج عن المرشد الإيراني، والملا محمد عمر وقبلهم إخوان الشيطان الذين دائما مايتغنون بالشورى والتوافق وهم أبعد مايكون عن ذلك فلم يتوافقوا حين أعادوا البرلمان المنحل بحكم قضائي، ولم يهتموا أيضا حين عزلوا النائب العام، فلم يختلفوا عن هتلر وستالين في رؤيتهم وادعائهم بأنهم يمتلكون حقيقة البناء ومعرفة الصواب وأن النقاش والتحاور والتفاوض والتوافق هي كلها كلمات لن تؤدي للبناء بل إن الأجدى والأنفع تسريع وتيرة البناء عن طريق الإقصاء والترهيب والترغيب أحيانا.

أما الكولونيالية فأمثلتها كثيرة علي عدم ميلها للتفاوض، ولانستطيع في الأساس أن ننعتها أو ننعت أصحابها بالسياسيين محترفي المفاوضات فهم أنفسهم ينفون هذه التهمة -إذا رأيتها تهمة بالأساس- علي عكس التيارات الأخري.
وإذا كان الجميع هم سياسيون بدرجة أو بأخرى فإن الحقيقة الثابتة هي إن الليبراليون االأوربيون لا يمكن اعتبارهم من هؤلاء الزمرة الكاذبة والتي تدعي السياسة والحقيقة وإن هدفها البناء وهي في الحقيقة لا هدف لها إلا السلطة وحيازتها والاستئثار بها بلا مشاركة، فاليبراليون الأوربيون هم أصحاب باع في التفاوض والتفكير وإعادة توصيف المشكلات بهدف الوصول إلى الأفضل والأقرب والأوفر لدفع عمليات التنمية والتطور داخل الدولة، ولا طالما ظهرت أراء وأفكار جديدة، يظل الفكر الليبرالي هو القادر على الاستفادة منها وتطويعها لخدمة الدولة وخدمته، وهي الميزة الوحيدة التي ضمنت له الأمان والاستمرار مهما تعرض لأزمات أو نكبات، على عكس تيارات البناء الشيوعية والقومية والأصولية والكولونيالية التي دائما ماترى إنها تُسرع من عمليات البناء داخل الدولة عن طريق اقصاء الرؤى المختلفة وأصحابها، لذا وجب التنبيه أن الليبرالية هي فقط من تستطيع التفاوض والنقاش الذي يضمن لها التجديد والبقاء بعكس الساسة الذين لايتفاوضون بل يرون أن الإقصاء هو وسيلة البناء السريع، وهو ماثبت فشله بعد أن انهارت هذه النظم بلا مفاوضات أيضاواستمرت المدنية والليبرالية تخوض نقاشات تلو الأخري، منها تجويد القرارات مهما طال الوقت فالنقاش العاقل هو سبب ماوصلوا إليه من نهضةبالرغم من تنوعهم وتباينهم.

 التعليقات

 أخبار ذات صلة

[wysija_form id="1"]
Warning: Use of undefined constant sidebar - assumed 'sidebar' (this will throw an Error in a future version of PHP) in /home/elbyan/public_html/wp-content/themes/elbyan-html/sidebar.php on line 170

انت لاتستخدم دايناميك سايدبار

جميع الحقوق محفوظة لجريدة البيان 2015

عدد زوار الموقع: 43952688
تصميم وتطوير