الثلاثاء الموافق 20 - أغسطس - 2019م

فى مصر فقط الشعب آخر من يعلم .. استعينوا على قضاء حوائجكم السياسية بالكتمان

فى مصر فقط الشعب آخر من يعلم .. استعينوا على قضاء حوائجكم السياسية بالكتمان

كتب : أحمد السنى 

التضييق على حرية التعبير، والتنفير من الخوض في السياسة والاستخفاف بالرأي العام والمحاولة الدؤوبة نحو تسييسه وليس التعامل معه، الحجر على حرية المثقفين والكتاب والتعامل مع الصحفيين كأنهم محطمي اللأمنيات ومصدري السلبيات وصانعي الأزمات، و كأنهم جراد يأكل الأخضر من هذا الوطن ويهدد أمنه، بهذا المنظور تجعلونا المجتمع يعيش في غيابة الجب التي لن تفرز سوى جيل أعمى البصيرة، مُبهِم الهوية ومعدوم الوطنية؛ فتجده عُرضة للشائعات التي تقتله فكرياً كل يوم وتهدد حياته البائسة، وتسوقه نحو ممارسات فاسدة، ستظل تحاربونها ولن تصلوا لنقطة نهاية فأنتم تفضلون الحلقات المفرغة وتتعاملون مع المشهد كأنه مصفوفة جبرية لا يوجد لها حل؛ الكتمان السياسي لن يفرز سوى مجتمع جاهل بائس لا حول له ولا قوة، وسيجعل سلطة الوطن تنحصر في يد واحدة منفردة ومتزمتة، وسيعلو صوت لا يسمعه سِوىَ المنافقين والمتزلفين له من أجل أطماع شخصية وَاهِية لن تبني وطن بقدر ماهي تبني ثروات؛ وللأسف لا نعرف الهدف من وراء سياسة التكتم هذه في دولة من المفترض أنها دولة ديمقراطية، فإن كان نوع من الحفاظ على الأمن القومي، فنجد هذه الفكرة تُحطم على حاجز الإرهاب الذي يبرطع في كل شبر في الوطن، وإن كان استخفافاً برأي الشعب فعليك إذاً أن تعطيه الحقائق ليكون رؤية ناضجة ويعطيك أفكاراً ذكية تخرجك من الأزمات المتلاحقة.

تجاهل مجلس النواب :
لم يعرف أحد بعد ماهو الدور الحقيقي الذي يلعبه البرلمان في ظل هذا الكتمان السياسي الذي نعاني منه، هل البرلمان مجرد مجلس شرفي دائماً في صف الدولة ولا ينحاز لشعب الذي جاء به ـ نعم شأنا أم أبينا الشعب هو الذي جاء بهذا البرلمان- فلا يمكننا انتقاد اختيار الشعب، فهو يجهل الكثير عن السياسة ليس عزوفاً منه عنها بقدر ماهو ترهيب وتخويف من السلطة لكل من يقترب منها وكتمان وستر للحقائق عن محاولي الاقتراب، فكان لابد من نتيجة مثل هذه، حتى تعامل السلطة مع البرلمان يكون بشكل بروتوكولي وليس بشكل فعال، فنجد مشاريع القوانين تقدم من السلطة التنفيذية والبرلمان يصدق عليها ولا يلتفت لاعتراضات الشعب عليها ولنا في قوانين القيمة المضافة، الخدمة المدنية، بناء الكنائس ومنظمات المجتمع المدني خير مثال لهذا الشكل البروتوكولي، التكتم السياسي وتجاهل البرلمان في بعض الأمور أتحفنا بمشهد سياسي عشوائي لا يعرف حدود اختصاص سلطات الدولة الثلاثة « التشريعية، القضائية، التنفيذية»، فقضية تيران وصنافير أظهرت لنا عوار هذا المشهد وجعلت السلطات الثلاثة تتخبط مع بعضها البعض، وجعلت الشعب المصري في حالة صدمة من هذا المشهد فهو لا يعرف من السبب في إثارة كل هذا الغلط حول استقلالية جزء من أرضه ومن تكتم عن هذه القضية في بدايتها، وها نحن ننتظر مناقشة البرلمان لاتفاقية حَكم القضاء الإداري ببطلانها!. نهيك عن ما حدث في اتفاقية قرض صندوق النقد الدولي فبعدما وافقت اللجنة التنفيذية لصندوق النقد الدولي على اقراض مصر 12 مليون دولار خلال 3 سنوات مقابل بعض الإجراءات التي يجب على الحكومة أن تلتزم بتفعيلها مباشرة قبل تسلم الدفعة الأولى من القرض وإجراءات أخرى ستفعل في السنوات المقبلة، لعلى أبرز هذه الإجراءات هي تحرير سعر الصرف وإجراءات تقشف تتمثل في رفع أسعار الوقود والكهرباء وإلغاء الدعم عنهما في السنوات المقبلة، وتطبيق قانون القيمة المضافة والذي أقره البرلمان في آواخر أغسطس من العام الماضي؛ وعلى إثر هذه الإجراءات تسلمت مصر الدفعة الأولى من القرض والمقدرة بـ 2.75 مليار دولار في 11 نوفمبر من العام الماضي، ولك أن تتخيل أن كل هذا تم في غفلة من البرلمان المصري- ممثل الشعب- أو بقصد تهميش دوره المنصوص عليه في الدستور وتحديداً في المادة 127 والتي تنص على عدم أحقية السلطة التنفيذية الاقتراض أو الحصول على تمويل إلا بعد موافقة مجلس النواب، لكن ماحدث كان انتهاكاً لدستور من جانب وتنكيل لدور البرلمان الرقابي من جانب آخر، ولعلى المضحك في الأمر أن الحكومة المصرية عادت لعرض اتفاقية القرض على البرلمان يوم 13 مارس الماضي، أي بعد تسلم الدفعة الأولى بثلاثة أشهر تقريباً -أي أن ضمير الحكومة الدستوري لم ينقح عليها إلا بعد ثلاثة أشهر- والسؤال هنا ماذا لو رفض البرلمان قرار الاقتراض؟! في الواقع هذا لم يحدث لأن البرلمان في مصر يسمع، يطيع، ينصاع وينقاد لأوامر السلطة التنفيذية – يمين يمين شمال شمال- وبالفعل وافق البرلمان على قرار الاقتراض ولم يكن له خيارسِوى الموافقة، وهذا جانب من التخبط السياسي في مصر والذي يحدث بسبب التكتم وإخفاء الحقائق بدون أي مبرارات.
ميزانية الدولة تُناقش بمجرد النظر:
في العام الماضي تم مناقشة ميزانية الدولة للعام المالي الحالي خلال أربع جلسات، لتكون بذلك أسرع ميزانية تم مناقشتها في تاريخ البرلمان المصري، وسبب هذه العجلة هو كون الحكومة المصرية خرقت الدستور كالعادة ولم تعرض الميزانية في وقتها المحدد والمنصوص عليه في المادة 124، والتي تُلزِم الحكومة بأن تعرض الموازنة العامة للدولة على مجلس النواب قبل 90 يوماً على الأقل من بدأ السنة المالية في الأول من يوليو، ولا تكون نافذة إلا بموافقة البرلمان عليها، ويتم التصويت عليها باباً باباً. بل عرضتها على البرلمان متأخرة عن موعدها الدستوري ب52 يوماً، مماجعل البرلمان يناقش الميزانية – ويكلفتها- في أربع جلسات فقط !، الأمر الذي يبرهن حرفياً على أن السلطة التنفيذية تستغل ضعف البرلمان وسذاجته وقلة خبرته في السيطرة عليه وتهميش دوره السياسي لتنفرد هي بكل القرارات والقوانين وبدون رقيب ولا محاسب. تهميش دور البرلمان في دولة الديمقراطية هو مؤشر سلبي يُنبئ بخطر الاسستبداد بالرأي ويمهد لدولة الصوت الواحد.
التكتم دائماً في عالم السياسة يخفي الكثير من الحقائق اللازم تواجدها لتصحيح المفاهيم أو لطمأنة الشعب، فقضية مثل قضية سد النهضة لا نعرف آخر التطورات فيها، وإذا عرفنا معلومات تكون معلومات منقوصة يتم تخيل باقي جوانبها بسيناريوهات متباينة تسبب حالة من البلبلة والتشتت في الرأي العام، وهذا الأمر ينال من ثقة الشعب في دولته بسبب حالة التكتم المريبة والتي لا تقدم ولا تأخر في حل الأزمات بل هي تخلق أزمات جديدة وتزيد الموقف تعقيداً وتجعلنا كشعب نستنفذ طاقتنا في تخيل المشهد السياسي في مصر وليس استثمارها في تحقيق تقدم ورُقي للوطن، لن تُرسم بوادره إلا عندما تتعامل الدولة بشفافية مع الشعب وتحترم حق الشعب في معرفة مالذي يحدث في وطنه ويتحول إلى مشارك لا مجرد مشاهد من زاوية واحدة مفروضة عليه، فلا نريد أن يكون الشعب هو آخر من يعلم إذا أردنا وطناَ ديمقراطياً.

 التعليقات

 أخبار ذات صلة

[wysija_form id="1"]
Warning: Use of undefined constant sidebar - assumed 'sidebar' (this will throw an Error in a future version of PHP) in /home/elbyan/public_html/wp-content/themes/elbyan-html/sidebar.php on line 170

انت لاتستخدم دايناميك سايدبار

جميع الحقوق محفوظة لجريدة البيان 2015

عدد زوار الموقع: 33457834
تصميم وتطوير