الأربعاء الموافق 27 - يناير - 2021م

“طريق الحرير الصحي”.. الصين تستخدم لقاحات كورونا لتعزيز نفوذها السياسي

“طريق الحرير الصحي”.. الصين تستخدم لقاحات كورونا لتعزيز نفوذها السياسي

عبدالعزيز محسن

 

في نموذج واضح لنتائج استغلال الصين للقاحات كورونا لتعزيز نفوذها السياسي عبر ما يعرف بـ”دبلوماسية اللقاحات” أو ما تسميه بكين مبادرة طريق الحرير الصحي.

 

ففي وقت سابق من هذا الشهر في استقبال الطائرة المحملة بسبع حاويات مبردة من لقاحات كورونا، ولالتقاط الصور الرسمية مع أمبولات اللقاح الصغيرة التي يأمل دوريا في أن تقضي أو على الأقل تحدّ من وتيرة الويلات التي ما ينفك فيروس كورونا يُلحقها بسكان الولاية التي يديرها، حسبما ورد في تقرير لصحيفة The Guardian البريطانية.

دبلوماسية اللقاحات

تعد البرازيل من بين بلدان العالم الأكثر تضرراً من الوباء، فقد سجّلت أكثر من 6 ملايين حالة إصابة ونحو 170 ألف حالة وفاة، ولذلك كانت ميداناً سهلاً ومغرياً لعملية استغلال الصين للقاحات كورونا لتعزيز نفوذها السياسي عبر ما يعرف بـ”دبلوماسية اللقاحات” أو ما تسميه بكين مبادرة طريق الحرير الصحي، وخاصة أن البرازيل بلد كبير وغني بالموارد الطبيعية وأكبر دولة سكاناً واقتصاداً في أمريكا اللاتينية ويتوقع أن يزيد وزنها السياسي والاقتصادي في المستقبل.

كانت الصين قد وعدت بأن تصل 6 ملايين جرعة من لقاح “كورونافاك” CoronaVac، من إنتاج شركة التكنولوجيا الحيوية الصينية “سينوفاك” Sinovac، إلى البرازيل بحلول يناير 2021.

كما أن معهد بوتانتان الحكومي المرموق في ساو باولو، والذي يجري اختبارات على اللقاح حالياً، سيحصل على المواد الخام لإنتاج ملايين أخرى من جرعات اللقاح.

شحنات اللقاح التي توجهت إلى البرازيل هي جزء من حملة “دبلوماسية اللقاح” التي أطلقتها بكين في جميع أنحاء العالم. وذلك بعد أن كانت تداعيات انتشار فيروس كورونا قد بثّت حالة من عدم الثقة بالصين دولياً، وألحقت الضرر بالإقبال العالمي على صادراتها، والذي لطالما أسهم في تعزيز نموها.

تغطية على  نشأة الفيروس
فمن جهةٍ، يقدم اللقاح الفعال، وتوفيره بأسعار مناسبة، طريقاً محتملاً لمواجهة حالة السخط والانتقادات البارزة حيال تعامل الصين المبكر مع أزمة فيروس كورونا والتهاون معها، ومن جهة أخرى يوفر الدعم المالي لشركات التكنولوجيا الحيوية في البلاد.

والصين الآن تنتج نحو خمس اللقاحات في العالم في الوقت الحالي، لكن معظم هذه اللقاحات للاستخدام المحلي.

وتعليقاً على ذلك، يقول موريسيو سانتورو، وهو أستاذ في جامعة ولاية ريو دي جانيرو ومتخصص في العلاقات البرازيلية الصينية “فكرة أن اللقاح الصيني سيُطرح بوصفه منفعة عامة عالمية فكرةٌ مهمة جداً لبكين في الوقت الحالي، لأنها أصبحت الطريقة التي يخوضون بها حربهم الدعائية خلال الوباء”.

وأضاف سانتورو: “إنهم يحاولون دفع اللوم عن أنفسهم على ما فعلوه في الأيام الأولى للوباء… لذا إذا كان لديهم لقاح فعال حقاً، فإن ذلك سيكون شديد الأهمية بالنسبة إليهم. والبرازيل ساحة اختبار مهمة للطموحات الصينية تلك”.

من الجدير بالذكر أن الصين لديها خمسة لقاحات تخوض المراحل النهائية من التجارب في دول عدة بجميع أنحاء العالم، منها البرازيل وتركيا وإندونيسيا. ولما كانت الصين قد أحكمت سيطرتها على انتشار الوباء وتمكنت من احتوائه في الداخل، فلم يعد لديها عدد كاف من الأشخاص المصابين لإجراء تجاربها على اللقاح هناك.

بالإضافة إلى ذلك، منحت الصين التراخيص لثلاثة لقاحات أخرى للاستخدام الطارئ محلياً، وأحد هذه اللقاحات من تطوير “مجموعة الصين الوطنية للصناعات الدوائية” (سينوفارم) الذي تلقاه ما يقرب من مليون شخص، على الرغم من حقيقة تضاؤل المخاطر المتعلقة بانتقال عدوى الفيروس إلى حد كبير داخل حدود الصين.

مبادرة طريق الحرير الصحي 
وكان الرئيس الصيني، شي جين بينغ، قد تعهد في مايو الماضي بمشاركة اللقاحات الصينية مع العالم أجمع، في تناقض بيّنٍ مع النهج الذي اختارته إدارة دونالد ترامب، التي كان تركيزها في ذلك الوقت منصباً بالأساس على شراء اللقاحات المحتملة على أوسع نطاق ممكن لحماية سكانها.

كما تعهدت الصين بتأمين السبل للتأكد من أن الدول قادرة على شراء لقاحاتها المطروحة، ووعدت دول أمريكا اللاتينية ومنطقة البحر الكاريبي في يوليو بقرضٍ قيمته مليار دولار لإتاحة شرائها لتلك اللقاحات.

وعلى النقيض من الولايات المتحدة، انضمت الصين أيضاً إلى تحالف “كوفاكس” Covax الدولي للقاحات، والذي يهدف إلى تسريع عمليات تطوير وتصنيع اللقاحات، وتمكين التوزيع العالمي السريع والعادل للقاحات المرشح نجاحها.

و بدأ المسؤولون الصينيون في الحديث عن مبادرة “طريق الحرير الصحي”، عندما شرعت الصين في إرسال شحنات من الأقنعة الطبية وغيرها من المعدات الوقائية وحتى فرق الأطباء إلى البلدان الأشد تضرراً بالوباء بعد احتوائهم للموجة الأولى من الوباء في الداخل. ويعبر اسم المبادرة عن مدى الطموح الذي تتطلع إليه بكين وتستحضره بالإحالة إلى طرق التجارة القديمة العابرة للقارات.

في تلك الأشهر الأولى، غالباً ما طغت على جهود الصين الحثيثة لتغيير النقاشات العامة التي تربطها بالفيروس تقارير عديدة عن شحن معدات واقية معيبة من مصانعها، ومشاعر الامتعاض من الحكومات التي اضطرت إلى تقديم الشكر العلني الواسع على تلك المساعدات، علاوة على السعادة الصينية الرسمية لنجاحها في احتواء الفيروس في الوقت الذي أخذت فيه الدول الأخرى تنزلق أكثر فأكثر في هاوية الأزمة والفوضى الاقتصادية الناجمة عنها.

لكن الآن يمكن للقاح الفعال أن يكون له تأثير أكبر بكثير من شحنات معدات الوقاية الشخصية، فهو يُمكّن البلدان من البدء في إعادة بناء اقتصاداتها وخدماتها الصحية.

وفي هذا السياق، كتب الباحث في الشؤون الصينية، إيك فرايمان، والخبير في الشؤون الطبية، جاستن ستيبينغ، في مقال نشرته مجلة Foreign Affairs الأمريكية مؤخراً، أنه “على الرغم من أن الصين قد دفعت في البداية ثمناً دبلوماسياً كبيراً لفشلها في السيطرة على وباء كورونا المستجد في وقت مبكر، فإنها باتت الآن مستعدة لإصلاح سمعتها المتضررة من خلال إعادة تقديم نفسها على أنها مزوّد خدمات الصحة العامة للعالم النامي”.

وأضاف الباحثان في مقالهما، أنه “إذا استمرت الولايات المتحدة في العزوف عن خوض المنافسة، فإنها لن تخاطر بخسارة سباق اللقاح فحسب، بل ستسمح للصين أيضاً باكتساب مكانة الدولة التي تتمتع بقوة تكنولوجية من الدرجة الأولى، والسمعة الحسنة لدى عدد كبير من الحلفاء الجدد المحتملين، إضافة إلى الحيثية لمطالبة مشروعة بتسلُّم زمام القيادة العالمية”.

الرئيس البرازيلي يحتفي بوفاة أحد المشاركين في اختبارات اللقاح الصيني
علاوة على أن اللقاحات الصينية إذا أثبتت فاعليتها، فإنها بذلك تقدم للصين طريقة ناجحة لدعم الحلفاء السياسيين في جميع أنحاء العالم.

وقد بدأت بوادر ذلك في البرازيل على سبيل المثال، فقد أصبحت اللقاحات الصينية نقطة محورية في التنافس السياسي المحتدم بين حاكم ولاية ساو باولو، جواو دوريا، والرئيس البرازيلي، جايير بولسونارو، الذي احتفى مؤخراً بالتعليق المؤقت لتجارب لقاح صيني بعد وفاة أحد المشاركين في اختباراته، كما لوحظ غيابه عن حفل استقبال اللقاح الذي أقامه دوريا في المطار.

ويرجع ذلك إلى أن بولسونارو، مثل حليفه في النهج الدبلوماسي والأيديولوجية اليمينية ترامب، اتخذ موقفاً متشدداً مناهضاً للصين، في الوقت الذي عمد فيه إلى التقليل من خطر الفيروس وآثاره.

غير أن موقفه هذا أوقعه في خلاف مع كثير من رموز مجتمع الأعمال البرازيلي الذي يعتمد على علاقاته مع الصين، التي تعد الشريك التجاري الأكبر للبلاد بفارق كبير عن غيرها. فبحسب سانتورو، المتخصص في العلاقات البرازيلية الصينية، فإن الصادرات البرازيلية إلى الصين تبلغ قيمتها أكثر من ضعف الصادرات إلى الولايات المتحدة، ثاني أكبر شريك تجاري للبرازيل.

البرازيل نموذجاً على استغلال الصين للقاحات كورونا لتعزيز نفوذها السياسي.

استغلال الصين للقاحات كورونا لتعزيز نفوذها السياسي وصل إلى حد محاولة إيصال صديقها للرئاسة
ومن الثغرة الناشئة عن موقف بولسانارو المتقاعس حيال كورونا، نفذت الصين وعملت على تصعيد حاكم ولاية ساو باولو، جواو دوريا، وهو سياسي ينتمي إلى يمين الوسط ويطمح إلى المنافسة على منصب الرئاسة.

وإدراكاً منه لأهمية العلاقات مع الصين في تعزيز المصالح التجارية القوية للبلاد في قطاعات عدة، منها التعدين والزراعة، مضى دوريا قدماً في سبيل تعزيز العلاقات معها، وأبان مؤخراً عن الأهمية التي يوليها للعلاقة مع الصين من خلال قراره بفتح مكتب تجاري حكومي في شنغهاي الصينية.

من جهة أخرى، وعلى الرغم من أن استطلاعات الرأي تظهر غياب الثقة بالصين، ويمتد ذلك إلى ارتياب فيما يتعلق باللقاحات الصينية، فإن أي لقاح لن يُطرح للاستخدام حتى يجتاز اختبارات صارمة من قبل هيئات برازيلية موثوقة، بحسب مسؤولين هناك.

وهكذا أخرت تقديم اللقاح للبرازيل ليتزامن مع قرب انتخابات الرئاسة
وتقول أدريانا أبدينور، المديرة التنفيذية لمركز أبحاث Plataforma CIPÓ البرازيلي “من المنطقي أن نتوقع أن يكون لدى الجمهور كثير من الهواجس في البداية، ولكن القبول سيزداد بمجرد أن يدرك الناس أن المخاطر طفيفة جداً مقارنة بالمزايا”.

وكان استطلاع حديث نُشر في دورية Nature العلمية كشفَ عن أن نسبة بلغت 85.3% من البرازيليين المستطلعة آراؤهم على استعداد للتطعيم ضد فيروس كورونا، لتأتي البرازيل في المرتبة الثانية في الإقبال على اللقاحات الصينية بعد الصين نفسها مباشرة.

ومن ثم، إذا تمكن حاكم ولاية ساو باولو، جواو دوريا، من إطلاق حملة تطعيم ناجحة باللقاح المرشح من شركة “سينوفاك” الصينية في يناير المقبل بحسب التعهدات الصينية، فمن المرجح أن يستفيد من ذلك اقتصاد ولاية ساو باولو وشعبية دوريا نفسه في البلاد.

ومن المستبعد أن يكون ذلك قد غاب عن الدبلوماسيين الصينيين، الذين قد يكونون قرروا الانتظار حتى انتهاء حقبة بولسونارو، لكن ذلك لن يمنعهم من السعادة برؤيتها تنتهي في أقرب وقت ممكن.

إذ يبدو أن استغلال الصين للقاحات كورونا بلغ مرحلة تتسم بالوقاحة.

 التعليقات

 أخبار ذات صلة

[wysija_form id="1"]
Warning: Use of undefined constant sidebar - assumed 'sidebar' (this will throw an Error in a future version of PHP) in /home/elbyan/public_html/wp-content/themes/elbyan-html/sidebar.php on line 170

انت لاتستخدم دايناميك سايدبار

جميع الحقوق محفوظة لجريدة البيان 2015

عدد زوار الموقع: 47569153
تصميم وتطوير