الخميس الموافق 11 - أغسطس - 2022م

صُناع الإرهاب

صُناع الإرهاب

 

كتبت : شيماء اليوسف

منذ أن كنت طفلة وشُرفات أحلامي تُخترق بتهمة الإرهاب ، فكان على مدرستي أن تُهدم وأن يُعتقل تلفازنا وأن يموت الحبُ في الأرض قبل أن ينبت ، فيحمل الشبان حقائبهم ويصطفون مع الفجر أمام القنصليات يتوسلون تأشيرة سفر فيتقاتلون على عروس اسمها ( ڤيزا ) ، يحلمون معها بالرحيل بحثاً عن وطن آخر بلا خراب ، تاركين خلفهم صرخات ديارتهم المنكوبة تتحامى في أكتافهم الهاربة أن ينقذوها من بلايا الإرهاب لكن لا مفر لها من الهلاك .

كبرتُ وعرفتُ أن هذه الظاهرة أخذت بعدها الدولي عقب أحداث 11سبتمبر2001م ، ومنذ ذلك الحين ويقال أن الخطط الإستراتيجية تسعى للحد من انتشارها ؛ لكنهم وجدوا في ( الإرهاب ) ضالتهم ، وملاذ جرائمهم ، ومسلك استيطانهم ، فتسللوا لنا عبره ببراعة ، وجعلوا الشرق الأوسط يعيش حالة من الخلاف الدائم ، ساقط في قيعان المهالك لتسود شريعة الغاب ، فيفرضون نظرية الفوضى الخلاقة لتشكيل النظم على هواهم ؛ حتى أصبحت أوطاننا فئران تجارب للتنظيمات الإرهابية ، فبالأمس صنعوا أسطورة ( بن لادن ) وجهزوا حمم براكين الربيع العربي ، فكان عليهم أن يسعوا لخلق تنظيمات دينية تُستخدم كفزاعة للعالم ، ثم وضعوا في كل قُطر عربي واحدة ، حتى يتكاتف الجميع دون وعي لحماية ( إسرائيل ) ، وبلا شك أن يلصق كل جُرم بالإسلام ، فدعني أسالك هل وقع منذ بداية الدعوة الإسلامية وحتى أخر خلفائها أن مسلماً دخل أرض فقتل وطعن أناساً عزل ؟ هل حرق أحد الصحابة خيمةً أو بيتاً أهله نيام أو أيقاظ ؟ واليوم ترى المسلمين يُقتلون على يد الجنود الأمريكان في الموصل والرقة ودير الزور وأفغانستان ؛ فهل تأسفت أمريكا على قتل الأطفال الذين استهدفتهم طائرات التحالف الدولي ؟

كثيراً ما نسمع أن الإسلام انتشر بحد السيف ! فأين دليلهم وحجتهم ؟ التاريخ يحكي لنا أن عمرو بن العاص لما دخل مصر جاء ب4000 مقاتل ، استشهد منهم 2000 فتبقى معه 2000 ترك منهم 500 وأخذ الباقي ليستكمل بهم فتوحاته الأفريقية ؛ كان تعداد مصر يومها سبعة ملايين قبطي وخمسمائة مسلم تركهم بن العاص وفي السبعينات وصل تعداد سكان مصر إلى 42 مليون نسمه منهم 3 مليون مسيحي و39 مليون مسلم ! فكيف وصل السبعة ملايين لثلاثة ؟ وال 500 إلى 42 مليون ! هل بالسيف والإرهاب ؟ .

إن عملية ربط الأديان بالإرهاب لم تأت من واقع الصدفة بل كل ما يحدث مخطط وممنهج فاستغلال الدين لحشد الجماهير وسيلة جيدة لتحقيق المآرب العصابية مثل ما يفعله الإرهاب الصهيوني الذي يستغل الديانة اليهودية ولو أن الإرهاب سيقام في بلدان تتبع الديانة المسيحية فبالتأكيد سيأخذ طابع مسيحي ، فالدين هو الباب الوحيد الذي لا يقف عليه حراس وكان من الأقدار العجيبة أن تكون بلادنا منبع الثروات هي أيضا منبع الوحي فلم يجد الطامعون أربح من نافذة الدين ليحققوا مطامعهم ؛ فكان ( مرشال بالو ) يختم دباباته بختم إسلامي ليدخل الأسكندرية وكانت إنجلترا تطلق قذائف من الأناجيل قبل ضربنا بالقنابل ، واستخدمته الحملات الصليبية قناعاً لدوافعها وعلى غرارهم فعل الدواعش ؛ وعندما تسمع كلمات ( هيلين توماس ) المراسلة الأمريكية حينما قالت عن فرنسا وأمريكا وبريطانيا : ” إنهم يكذبون عليكم ويقولون إنهم يحاربون الإرهاب نيابة عن العالم وهم صُناع هذا الإرهاب ” فاسأل نفسك ؛ من أعط سيارات الدفع الرُباعي لداعش ؟ ما هي جنسيات السماسرة الذين يشترون البترول منها ؟ وأي من القوات الجويه تسقط الأسلحة بالخطأ عليها ؟ دعك من ذلك واستعرض معي هذا ، مع طلوع الفجر يصرخ ترامب قائلا : إن ( قطر ) لديها تاريخ عريض في تمويل الإرهاب على مستوى عالٍ وإن حصارها اقتصادياً يعد بداية لنهاية الإرهاب وعندما اسدل المساء ستائره عاود ترامب الصريخ يشيد بجهود قطر في محاربة الإرهاب بل ويوقعان مذكرة تفاهم مشترك لمكافحته ووقف تمويله في ظل مقاطعة أشقائها العرب لها ! دعوني ألطم في صمت .

العالم لا يفور غلياناً تجاه الأعمال الإرهابية الإ عندما يكون الإرهابي ( مسلماً ) وعادة ما يوصف الجهاديون بأنهم عقلاء تماماً ومسئولون عما فعلوه ، بينما يُقدم الذين يقتلون المسلمين على أنهم مرضى نفسيون أو مختلون وهذا ما قاله ( ترامب ) عقب هجوم ( ستفين بادوك ) على محفل موسيقي في لاس فيجاس وقتل ما يقرب من 60 شخصاً وجرح ما يفوق الخمسمائة ” القاتل شرير ” ونائبه يسمى الحادث بأنه ( عنف ) ، ومن المريب ما نقلته الأخبار الرسمية أن الشرطة بانتظار التأكد من ديانة الجاني ! هذا يعني إن كان ( بادوك ) مسلماً فالعمل إرهابي ؛ ومن لاس فيجاس الزمن يعيد نفسه من ( تكساس ) فقد قام ( تشالز ويتمان ) قناص البحرية الأمريكي عام 1966 م بقتل امه ثم زوجته ثم صعد لأعلى قمة برج الساعة وهو مسلح ببنادق ومُسدسات ليبدأ في إطلاق النار على المارة لمدة ساعة كاملة مما اسفر عن مقتل أربعة عشرة نفس وإصابة ما يقرب من ثلاثين آخرين ؛ وهل لأحد أن يفسر لنا سر حوادث التمييز العنصري التي وقعت في بلدة ( ليتل روك ) عام 1957م والتي أدت إلى تدخل الجيش الأمريكي ضد سلطات الولاية فهبطت الحادثة بسمعة أمريكا إلى الحضيض ووضعت قوانينها المانعة للتميز العنصري أمام إحراج عالمي ومحلي ؛ أنا لا أفهم ما الذي يميز الرجل الأبيض عن باقي البشر ؟ ما الذي جعله يحتكر الحياة لنفسه ويحرمها على الزنوج ؟ لا أفهم تداعيات القبضة الأمنية المحكمة الأقفال على الأمريكان ذات البشرة السوداء ! لا أفهم لماذا تطالب الولايات المتحدة العالم بتطبيق قوانين حقوق الإنسان وتدينهم بإغفالها ولا تكلف نفسها بتطبيقها ولا أحد يستطع إدانتها .

إن الطريق حافلة بالأحجار الجارحة للأقدام الحافية وقد تترجم هذه الأحجار على شكل قذائف من التطرف لا سيما إن توفرت له تربة خصبة لإستزراعه فلا يوجد إنسان على وجه الأرض هو بطبيعته شرير ؛ ضف لهذا ممارستنا نحن للعنف باسم الدين والمتاجرة باسمه ، ورفضنا للآخر وعدم سماعنا لبعضنا ، وانسيابنا لخرق الإعلام المتجني الغير موضوعي والتعليم المتخلف كله صبّ في مصلحة الإرهاب ؛ هذا يعني أننا أيضاً مشاركون و متهمون بتقاعسنا وتشرذمنا في خلق هذه الظاهرة .

قد أفزعتني الصور المتداولة بشأن مسلمي ( بورما ) وتأثرت غاضبة بدافع إنساني لا ريب فيه لما رأيته من ذبح وتشريد رغم أن القضية البوريمة ليست حديثة ، ولأنني لم أتأكد من صحة ما نُشر ولم أثق في مصادره المشكوك فيها ، فهدأت من روعي قليلاً ووضعت العاطفة جانباً وبدأت اسأل نفسي ، لماذا هذا الوقت تحديداً يُصعد الرأي العام ضد انتهاكات البوذيين لمسلمي الروهينغا في نفس الوقت الذي تتحرك فيه عناصر تنظيم الدولة مغادرة العراق ؟ لم أجد لنفسي أي جواب سوى قبول تدخل غربي في بورما بحجة حماية المسلمين من الإبادة أو بعبارة أدق هيكلة الأوضاع الجنوبية لتحيين تمركز داعش في الجنوب ؛ ولم تمض أيام عدة على هوجة الرأي العام بشأن الروهينغا إلا وتوجه ما يسمون أنفسهم ( بالمجاهدين ) نحوها ولازال مسلميها نازحين مضطهدين حتى الأن ولو كان في المجاهدين خير ما ظلت ( فلسطين ) محتلة ؛ وكل ما يحدث هناك ما هو إلا سعي الولايات المتحدة وحلفائها إلى تطويق ( الصين ) اقتصادياً لشروعها في إنشاء خط أنابيب لنقل النفط عبر أحد مواني بورما إلى مقاطعة ( يونان ) من الجانب الآخر كان ترامب يصعد الوضع في شبه الجزيرة الكورية فأوشكت الحرب أن تندلع فتخاف كوريا الجنوبية من شقيقتها ( بعبع الغرب ) فتدفع للولايات المتحدة أثمان حمايتها وعلى نفس الشاكلة تدفع دول الخليج مقابل حمايتها من بعبع الشرق ( إيران ) ؛ ولو أنفقت الدول العربية كل هذه الأموال على التعليم والبحث العلمي ومساندة بعضها البعض لكانت أقوى الأمم ، فبربك قل لي مَنْ هم صُناع الإرهاب ؟

لطالما أصبحت ظاهرة الإرهاب أداة من أدوات الممارسة السياسية ووسيلة تستخدم لخدمة مشاريع من شأنها قلب موازين التاريخ ودعاتها يستهدفون بالأساس أدمغة الرأي العام لبث سمومهم ومن ثم تحقيق مطامحهم ولهذه الأسباب فإن محاربتها تقف على بوابات الإعلام ، فيستوجب عليه التيهؤ والاستعداد لمواجهتها إستناداً على المعلومة الصحيحة والمعالجة المناسبة ، فالإعلام هو العصا السحرية في أيادي أصحاب اللعبة ، الذين يتفننون من خلاله في خدعة المشاهد ، إذاً المهمة صعبة وتحديداً ما يتعلق بالتطورات الساخنة والمتزاحة في المسرح العربي خاصة والمسرح الدولي بشكل عام ؛ انشروا الفنون في شوارعكم فلا يوجد عازف يرهب الآخرين .

 التعليقات

 أخبار ذات صلة

[wysija_form id="1"]
إعلان خدماتي

جميع الحقوق محفوظة لجريدة البيان 2015

عدد زوار الموقع: 63554706
تصميم وتطوير