الخميس الموافق 15 - نوفمبر - 2018م
//test

دكتور عبدالفتاح عبد الباقى يرد على اكذوبة الإخوان أن جمال عبدالناصر الغى القضاء الشرعى

دكتور عبدالفتاح عبد الباقى يرد على اكذوبة الإخوان أن جمال عبدالناصر الغى القضاء الشرعى

نقدم شهادة أحد أعضاء المحكمة فى القضية الشهيرة وهو المستشار محمد سعيد العشماوى يقول بالنص فى مقال له :
بدأت تنتشر، في الآونة الاخيرة، مقالات في الصحف والمجلات عن إلغاء المحاكم الشرعية في مصر، ممن لا يعرف ما يكتب ولا يعي ما يقول، تدعي رجما بالتقول وزعما بالتعمّل، أن هذا الالغاء –الذي حدث سنة 1955- كان لاسباب سياسية، أو لانفعال أحد ضباط انقلاب عام 1952 من حكم صدر ضد رغبته من هذه المحاكم. وتتعدد الاسباب، لتوهم ظنا بغير الحقيقة، وقولا يلقي بغير دراسة، أن هذه المحاكم كانت مثالية ومنضبطة، وأن الغاءها كان ظلما وبهتانا، ويترتب على ذلك –في الظن العليل والفهم الكليل- أن الإسلام كان هو المستهدف الحقيقي من وراء ذلك ومن جراء ما حدث.
ولما كنت الوحيد الباقي على قيد الحياة، من هيئة المحكمة، وتشكيل النيابة العامة، واعضاء الدفاع عن المحامين، ورجال الشرطة، الذين قاموا بالضبط، وشهدوا في المحاكمة، في قضية تُعرف باسم قضية” الفيل سيف” كشفَتْ عن الفساد الذي كان يجري على ألسنة الناس، من المتقاضين أمام المحاكم الشرعية، وبذلك رؤى إلغاء هذه المحاكم ودمج قضاءها وقضاتها ضمن القضاء العادي.
لما كان ذلك، وكنت على ما أنف، الوحيد الباقي على قيد الحياة، من كل من له صفة رسمية في هذه المحاكمة، فقد رأيت أن أكتب شهادتي من واقع ما قرأت في اوراق الدعوى وما رأيت اثناء اجراءات المحاكمة، حتى تكف الشائعات التي تطلق بغير علم ودون فهم.
كان ذلك في اواخر صيف عام 1955 حين كنت مساعدا لنيابة الاسكندرية الكلية، وقد عنّ لي أن استطلع رأي رئيس النيابة في موضوع مهم كنت اتولى التحقيق فيه. وإذ وصلت الى غرفة رئيس النيابة شاهدت المصباح الكهربائي الاحمر مضاءً، وكان هذا في العرف الاصولي لمن لا يجهلونه يعني أن امرا مهما يُبرم أو ينقض داخل الغرفة وأنه لا يجوز لمن ليس داخل الغرفة أن يطلّع عليه، وبالفعل فقد تبين فيما بعد أن القائمقام (العقيد) عبد القادر محمود كان يعرض على الرئيس محضرا بما وصلت اليه تحرياته من أن وكيلا لاحد المحامين الشرعيين قد أتخذ من “فيللا”، بمنطقة السيوف النائية، التابعة لقسم شرطة المنتزه، مكانا اعدّه لكي يلتقي فيه بعض المنحرفين من القضاة الشرعيين بالمتقاضيات امامهم، ترشوهن بأعراضهن لقاء أن يحكم لصالح الواحدة منهن في القضية التي تكون قد اقامتها امامه ضد زوجها أو مطلقها، هذا فضلا عن تقديم الخمور والمخدرات”الحشيش” لتحلو “القعدة” خلال السهرة. ولابد أن يكون رئيس النيابة قد اتصل تليفونيا بالنائب العام، فلما قضى الامر نُدب للتحقيق( وقد ضرورة قانونية آنذاك، قبل اصدار إذن بالتفتيش) الوكيل الاول للنيابة من ثلاثة كانوا وكلاء أول لنيابة الاسكندرية الكلية.
في الوقت المحدد، توجه (المستشار فيما بعد)، محمود العمراوي أقدم الوكلاء الاول بالنيابة الكلية، ومعه ضباط الشرطة القائمقام(العقيد) عبد القادر محمود والصاغ(الرائد) علي لطفي واليوزباشي (النقيب) محمد توفيق ومجموعة من رجال الشرطة لحفظ النظام، وتم ضبط الجرائم بمعرفته وبشهادة الضباط المذكورين. وكانت الواقعة تتحصل في وجود الشيخ الفيل قاضي المحكمة الشرعية الجزئية والشيخ سيف القاضي الشرعي في دائرة الاستئناف التي تّرفع اليها الاستئنافات في الاحكام التي تصدر من الشيخ الفيل، ووجود ثلاثة نسوة لهن قضايا أمام الشيخ الفيل أو استئنافات أمام الشيخ سيف، ووكيل المحامي الشرعي الذي رتّب وأعد وهيأ المكان والخمر والمخدرات والمتقاضيات واستجلب القاضيين. وقد ضبطت كذلك ادوات الشيء لزوم الشيء، من خمر ومخدرات، كما ضبطت ملاءة كانت مفروشة على حاشية(مرتبة) في الغرفة التي كان الجمع موجودا بها، وكان عليها سائل منوي يشير الى وقوع مضاجعة وقذف لهذا السائل.
اصطحب محمود العمراوي القاضيين الى اقرب نقطة شرطة، وتبعه الضباط الذين كانوا قد قبضوا على النسوة ووكيل المحامي وجمعوا كل الادلة من خمر ومخدرات وملاءة السرير، ثم حرر محمود العمراوي محضرا بالضبط، الذي قام به بنفسه، على الرغم من أن ثمة قرابة كانت تربطه بالشيخ سيف. لكن اخلاقيات القضاء آنذاك كانت تضع الواجب فوق القرابة أو المجاملة، فلم يشكّ رئيس النيابة، ولا النائب العام، في أن محمود العمراوي قد يسرب خبر اعتزام الضبط الى قريبه، أو أن يجامله اثناء ضبط الواقعة.
اعتذر محمود العمراوي بعد ذلك من الاستمرار في التحقيق، فتولاه (المستشار فيما بعد) مصطفى سليم، وكان ثالث ثلاثة الوكلاء الأُول بالنيابة الكلية، وإذ كان القانون يستلزم أن تتصرف النيابة في شأن المتهمين خلال 24 ساعة من القبض عليهم، فقد استجوب وكيل اول النيابة القاضيين المتهمين وأمر بحبسهما احتياطيا، كما أمر بحبس وكيل المحامي وسيدتين من الثلاثة سيدات التي كن حاضرات وقت الضبط والتفتيش، وكانت الثالثة شابة صغيرة نسبيا، وتبين أنها هي التي كانت قد أبلغت الشرطة عن الواقعة التي تم الاتفاق معها عليها بواسطة وكيل المحامي لرفعها قضية ضد مطلقها، كانت تنظر أمام الشيخ الفيل. وكان التحقيق مطولا ومكثفا، لاعتزام اجراء المحاكمة في اقرب وقت. وكان التحقيق، وإعداد قرار الاتهام وقائمة باسماء الشهود وملاحظات النيابة، يقتضي جهدا فائقا، خاصة وقد كان يلزم لذلك اجراء بحوث عن الرشوة العينية التي يكافأ بها المتهم عن أمر انجزه، أو تقدم اليه عن امر سوف ينجزه، لكل ذلك فقد طلب وكيل أول النيابة المحقق من رئيس النيابة أن يندب اثنين من اعضاء النيابة ليعاوناه في ذلك، فقام رئيس النيابة بانتدابي وزميلا اخر، وبذلك تسنّى لي حضور جلسات التحقيق واجراءات المحاكمة حتى النطق بالحكم.
لم تكن التحقيقات سهلة هينة، بل كانت تجري في اجواء مضطربة مصطرمة! كانت تلك أول مرة يجري فيها تحقيق جنائي مع قاضيين شرعيين، وكانت تهمة الرشوة العينية، بأجساد المتقاضيات، تصدم مشاعر الجميع. وكانت الصحف قد نشرت خبر الضبط والتحقيق، فانفتحت شهية الصحفيين وافراد الشعب لمعرفة الاكثر. وكان تحقيق وكيل نيابة مع قاضيين يكبرانه سنا بكثير مسألة تشعر بالحرج. وفي موضوع التحقيق، فقد أعتصم المتهمون جميعا بالانكار، لكنه كان انكارا أهون منه الاعتراف، فلقد كانت أدلة الاتهام تحيط بهم من كل جانب. وتجعل الانكار عبثا لا جدوى منه ولا طائل وراءه. وقد شهدت ضد المتهمين السيدة الثالثة. وكانت هي التي أبلغت ولم ترتض أن تقدم جسدها رشوة عينية كيما تكيد لزوجها، الذي صالحها بعد ذلك، وقبل جلسات المحاكمة. وذكرت هذه الشاهدة تفاصيل دقيقة لما جرى وكان يجري من أحاديث وقفشات ونكات، كان يشتهر بها الشيخ سيف، وكيف كان يقول لها واعدا وضاحكا إنه سوف يحرّم النوم على زوجها، ويدعه يكلّم نفسه. من هذا كله بدت صورة القاضي الظالم، والذي يصبح عدوا للخصم، الذي ربما يكون على يقين من أنه ارتشى من خصمه، لكن السياج الذي يضعه القانون حول القاضي يكون حائلا بينه وبين الحصول على أدلة تؤكد للغير يقينه.
كان البحث القانوني في جريمة الرشوة غير ميسور، بل اقتضى جهدا شديدا. فقد كانت السلطة قد عدلت مواد القانون فيما يتعلق بالرشوة في عام 1953. وكانت القوانين، بل والدساتير، منذ انقلاب 1952، تصدر دون مذكرات تفسيرية مسهبة وواضحة، مما اقتضى الرجوع الى المراجع الفرنسية، وطلب كتب معينة منها(وربما كان هنا أحد أسباب ندبي للمساعدة في التحقيقات وفي اجراءات المحاكمة).
على الرغم من أن الشعب المصري كان قد ُصدم صدمة كبيرة عندما قرأ أو سمع نبأ الواقعة، لأن القضاء ضمير المجتمع، ولأن الواقعة كانت تثبت ما كان يتردد كإشاعات عن فساد في المحاكم الشرعية، ترد فيه العبارات التي رددها الشيخ سيف من أنه، بحكمه الظالم، سوف يحرم الخصم من نومه ويجعله يكلم نفسه، على الرغم من الصدمة وتأكد البعض من أنه عاني من الظلم، ما أكده قاض شرعي، فإنه كطبيعة الشعب المصري لجأ الى النكات والقفشات ينفّس بها عن غضبه المكتوم.
وكانت اشهر النوادر أن يقابل الشخص شخصا آخر فيسأله مداعبا ومُعرّضا: How do you feel ?اي ماذا تشعر، وكلمة تشعر الانجليزية feel تنطق في العربية: فيل (وهو اسم أحد القاضيين المتهمين)، فيرد الآخر قائلا: I feel safe وهي عبارة تعني بالانجليزية: أشعر بالامان، لكنها في النطق تجمع اسمي القاضيين المتهمين فلفظ feel هو عبارة كما سلف ينطق “فيل” ولفظ safe الانجليزي ينطق”سيف” وهو في العربية يعني الامن والامان.
انتهت التحقيقات، ووُضع قرار الاتهام وقائمة شهود الاثبات، وقد كانت تضم ضباط الشرطة الثلاث، والسيدة الثالثة التي سلف التنويه عن أنها هي التي أبلغت، واسهمت في “القعدة” بمجرد الحضور حتى تم الضبط، فلم يقع منها أي خطأ.
في الجلسة الاولى التي كانت علنية اكتظت قاعة المحكمة بالحضور بصورة لم أكن قد شاهدتها. وعندما صاح الحاجب قائلا:” محكمة” هبّ الجلوس وقوفا، ودخلت هيئة المحكمة، المستشارون رئيس الجلسة ثم عضو اليمين فعضو اليسار وتبعهم اعضاء النيابة، الوكيل الاول الذي حقق الواقعة ثم زميلي الاقدم مني ثم شخصي، وكلنا يرتدي الردنجوت الاسود ويضع الوسام المخصص له، وهو باللون الاخضر للمحكمة واللونين الاخضر والاحمر للنيابة.
بعد ثوان، مرت بطيئة ثقيلة، قال الرئيس: فُتحت الجلسة، وكنت قد التفت عفوا الى قفص الاتهام، وكان الى اليمين من مقاعد النيابة، فشاهدت المتهمين. وكان الشيخ الفيل حزينا مهموما بينما كان الشيخ سيف مبتسما ابتسامة تشي باللامبالاة. وكانت السيدتان قد ارتدت كل منهما ملاءة سوداء، لا تظهر منها شيئا، بينما قبع وكيل المحامي في ركن بعيد.
بعد أن فتحت الجلسة تلا السكرتير قرار الاتهام بصوت عال، وبعد ذلك طلبت النيابة نظر الدعوى في جلسة سرية(أي غير علنية) مراعاة لحسن الآداب، فأمرت المحكمة بذلك فانفض الجمع. ُنظُرت الدعوى من ثم في جلسات سرية بدأت بسؤال المحكمة للمتهمين عن التهم المنسوبة اليهم، فأنكر القاضيان الاتهام بكل بنوده، لكنه كان رفضا مرسلا، لأنهما-كلاهما أو أحدهما- لم يبين السبب في وجوده في مكان الضبط، ومع سيدات لهن قضايا تنظر أمامهما، ومضاجعة أحدهما لواحدة منهن، وسبب وجود وكيل المحامي، وزجاجات الخمر وأدوات تدخين الحشيش، وجوهر الحشيش ذاته، ولا رد أحدهما على شهادة الشاهدة التي ذكرت تفاصيل دقيقة عما دار حتى الضبط. واعترفت السيدتان بالواقعات تفصيلا حتى يتمتعن بالاعفاء من العقوبة، ذلك أن قانون العقوبات المصري يعفي من العقوبة الراشي إذا ما أعترف أمام المحكمة بواقعة الرشوة، لأن قصد المشرع من التأثيم عقاب الموظف المرتشي، كيما يكافح الفساد( وهو ما لم تفلح العقوبة في وقفه أو التقليل منه، بل زاد زيادة جعلته هو الاصل). وكان اعتراف السيدتين إحكاما لحبل الاتهام على عنقي القاضيين.
كانت شهادات رجال الشرطة مثماثلة، زاد فيها ما ذكره القائمقام (العقيد) عبد القادر محمود من أنه شمّ رائحة السائل الذي كان على الملاءة، ولما تبين أنه سائل منوي تحفظ على الملاءة ضمن أدلة الدعوى. وجاء في اعتراف إحدى السيدتين أن أحد القضاة المتهمين كان قد ضاجعها قبل أن يحدث الضبط. وأفاضت الشاهدة –التي كانت قد ابلغت عن الواقعة- بما دار في “القعدة” من حديث ومن تعليقات الشيخ سيف التي كان يضحك من ترديدها وهو في قفص الاتهام.
بدأت المرافعات بالنيابة العامة تؤكد الاتهام وتثبته بالادلة القاطعة، وتبين التفسير الصحيح لمواد الاتهام، كما انتهت اليه البحوث. وتلى النيابة دفاع المتهمين الذي كان تحصيل حاصل.
صدر الحكم بعد ذلك وكان بالنسبة للقاضيين الاشغال الشاقة المؤبدة، وهي عقوبة لم يعد من الممكن تنفيذها، فتحولت في الواقع الى السجن، وهو ما ادى بالمشرع حديثا إلى التعبير عنها بالسجن المشدد، وهي عبارة تدخل في باب اللغو أكثر مما تعني شيئا حقيقيا.
لم تكن المحاكم الشرعية بعيدة عن النقد الجارح من المتقاضين أمامها، وقبل أكتوبر عام 1949 كان النظام القضائي في مصر موزّعا على المحاكم المختلطة(التي الغتها معاهدة مونترو وحددت لالغاء الاختصاص في المواد المدنية 12 عاما انتهت في 15 اكتوبر 1949) والمحاكم الاهلية، وهي نظام القضاء العادي، والمحاكم الشرعية، والقضاء الاداري الذي هو أحد قسمي مجلس الدولة. وكانت قضية الشيخان فيل وسيف سببا لالغاء المحاكم الشرعية وتحويلها الى دوائر ضمن القضاء العادي، وضم قضاتها الى رجال القضاء العام، ولأن القاضي ينظر الدعاوي في ثلاثة ايام اسبوعيا، فربما كانت جلساته جنائية ومدنية وشرعية وهي التي يعبر عنها بمسائل الاحوال الشخصية (ولاية على النفس، مقابل القضايا الحسبية، التي يطلق عليها “قضايا الاحوال الشخصية-ولاية على المال).
وكنت في بداية عملي قاضيا لمحكمة دسوق اقضي يوم السبت في القضايا الجنائية(الجنح والمخالفات)، ويوم الاحد في قضايا الاحوال الشخصية-ولاية على النفس وتشمل الاختصاص الذي كانت تنظره المحاكم الشرعية الجزئية، ويكون يوم الاثنين للقضايا المدنية. وقد لاحظت اسبابا لشكوى جمهور المتقاضين من المحاكم الشرعية التي أُلغيت: منها أن القاضي كان حين يؤجل الدعوى للحكم لا يحدد جلسة لذلك، وانما يؤجل الدعوى للتأمل، ولا موعد لهذا التأمل الذي قد يطول فيتخطى صبر المتقاضي. ومنها طول الاجراءات التي يغني عنها قرار واحد، اتخذته وأنا قاض في دسوق وبعد خمس سنوات كنت قاضيا لمحكمة القناطر الخيرية فوجدته قد استقر وأخذ به كل القضاة. ومن الاشياء التي تثير العجب، أنه كان في كل محكمة شرعية شهود محترفون يقولون إنهم شهود المحكمة، ويشهدون بالأجر في أي قضية. وقد اُلغي عمليا هذا النظام، بعد العمل الجديد أمام المحاكم التي كانت تسمى بالاهلية، وصارت هي النظام القضائي العام.
المستشار محمد سعيد العشماوي
*********************************

 التعليقات



 أخبار ذات صلة

[wysija_form id="1"]

انت لاتستخدم دايناميك سايدبار

جميع الحقوق محفوظة لجريدة البيان 2015

عدد زوار الموقع: 25684917
تصميم وتطوير
WP Facebook Auto Publish Powered By : XYZScripts.com