الإثنين الموافق 24 - يناير - 2022م

حكاياتي مع الملحدين.. من خلق الله؟

حكاياتي مع الملحدين.. من خلق الله؟

 

كتب- عاطف صبيح

من الملحدين طائفة غارقة في التشرد النفسي، باحثة عن يد تمتد إلها لتنتشلها من التشويش الذهني والنفسي، فيروس التنوير يشوش على العقيدة لديهم، وهؤلاء لا أتوانَى عن مدِّ يدي إليهم؛ لكشف الحقيقة وإظهار الحق، ومن أمثلتهم زميلة كنت أراها نابغة ثقافيًّا ومهنيًّا، ورغم ذلك لم أفتح معها حوارًا في هذا المجال، حتى فاتحَتْني في عام 2008 أنها مدمرة نفسيًّا مشتتة ذهنيًّا، ولكنها تحنُّ للنور، مؤكدة أنها لو لمحت شزرًا حقيقيًّا، ستجعل منه شعلة؛ لأنها تبيَّنَت بعد طريق طويل في الإلحاد أن حياتها فراغ في المطلق.
قلت لها: إن أردتِ نقاشًا فنعم، جدالاً فلا. وأوضحت لها الفرق، قلت: أنت معك مقدمة (2)، وأنا معي مقدمة (3)، نتيجة (2) + (3) = (5)، هل فيها خلاف؟
قال: لا.
قلت: هذا هو النقاش.. معنا مقدمات تُوصِّلنا نحن الاثنين إلى نتيجة واحدة. أما الجدال فهو العكس، مع كل منا نتيجة، أنت معك (6)، وأنا معي (5)، وكل منا يريد أن يكون حاصل جمع (2) + (3) حسب نتيجته.
قالت: لا لا.. أنا لست سوفسطائية. أنا أبحث عن الحقيقة صافيةً بلا تشويش؛ لأن استخدام العقل والتفكير في الدين سبب ما أنا فيه.
قلت لها: لا تظنِّي أن الله يخاف من استخدام الإنسان لعقله، وإلا لما كان إلهًا.. لو فرضنا أن الإله خلق شيئًا، وخاف منه، فهذا معناه أنه ليس عليمًا بطبيعة ما خلقه، ولا بما سيفعله. هذا أولاً، وثانيًا الإله الذي يخاف من مخلوق خلقه، هو ضعيف؛ وبالتالي ليس إلهًا.
فمشكلة العقل والتفكير فيكِ أنتِ، وليست في الله. استنفدي طاقة عقلك.. ثقي أن أعقد أمور العقيدة والغيبيات كلها يدركها العقل.
نظرت إليَّ متفحصة، فتابعت: لكن عليكِ أن تلتزمي بالمنطق والمنهج العلمي كما تلزمينني بهما، فلا يمكن مثلاً أن تقولي إن كوب الشاي هذا صنعَ نفسه، وأتى إليكِ هكذا.
قالت: صحيح.
قلت: بما أني مُتديِّن في تصورِّكم، ما رأيك أن نغامر ونخاطر في الألغام، ونسأل العقل والمنطق دون أي تدخُّل للخطاب الديني: هل يعقل أن يكون هناك إله، أم أنها مجرد خرافة؟ ولنرَ إلى أين يوصلنا التفكير العلمي المنطقي؟ ونعود نسأله: من خلق الله؟
كان كلامي صادمًا لها.. قلتُ: أنا كمُتديِّن لا ينتابني أي قلق من هذا الطرح.
ولم أكن وقتها قد خطر ببالي ماذا سأقول، ولكن يقيني بالله دفعني لهذا الطرح الجريء.
قلت: انظري إلى نظام الكون الدقيق.. أقصى ما يحقِّقه الإنسان هو التوصل لبعض حقائقه، فما بالك بنظامه؟ هل يعقل أن الشمس والقمر كمثالين يعملان من تلقاء أنفسهما بهذه الدقة، بحيث إننا نضبط مواقيتنا وكل حياتنا على نظامها منذ وُجِد الإنسان وإلى نهاية العالم؟! هل للإنسان أي دخل في حركتهما التي أوجدت الزمن؟
قال: لا. ولكنها الطبيعة.
قلت: من هي الطبيعة؟ هل تستطيعين توضيح هذه الكلمة علميًّا؟
سكتت.
قلت: لكل شيء وحدث عليَّة أو سببية. لماذا لا نقول إنه الله بدل كلمة الطبيعة؟ لماذا لا يُعقَل أن وراء هذا النظام صانعًا وخالقًا. كيف ننكر أن يتحرك كوب الشاي من نفسه، ونعقل أن حركة الشمس والقمر من تلقاء أنفسهما، والتي نسميها الطبيعة؟
قالت: النظريات المؤكَّدة تقول الدوران والجاذبية.
قلت: من وضع هذه النظريات، وبمعنى أدق هذا النظام، وألزم الشمس والقمر به؟
قالت: سأُسلِّم جدلاً بأن هناك مَن يحركها، والسؤال: من أين أتيت بأنه الله؟
لم أكن وقتها قد خطر ببالي ماذا سأقول، ولكن يقيني بالله دفعني لهذا الطرح الجريء.
قلت: خذي هذا المثال. وجدت خمسين جنيهًا في ميدان سنفكس على الأرض، وسألت عن صاحبها، سألت كل الواقفين، وكل سكان المنطقة، وأوقفت جميع السيارات، وسألتهم، وسألت كل فرد في مصر، وبعد ذلك، اشتريت أكلاً ومياهًا غازية، وعدت إلى بيتي بعشرة جنيهات، وبعد ذلك أخبرني شخص أنه صاحب الخمسين جنيهًا، وأعطاني أوصافها وأرقامها، وأخبرني بوقت عثوري عليها، وعدد كل من سألتهم، وماذا اشتريت بها، فهل بعد هذا يكون لديَّ شك في أنه صاحبها؟
قالت وفي عينيها بريق: لا.
قلت: الله أنزل قرآنًا تكلم فيه عن نظام الكون وخلق الإنسان منذ أكثر من 1400 سنة، وما ذكره من أخبار السابقين ومن علوم مستقبلية، تَوصَّلَ العلم إلى بعضها، وأكد صدق ما جاء في القرآن.
قالت: أنا اقتنعت بهذا. ولكن التشويش الآخر هو سؤال آخر أحاول التهرب منه.
قلت لها: هاتي سؤالك.
قالت: بما أن الله خلق الكون، فبمنطق العلية والسببية أن أسأل: من خلق الله؟
ضحكت، وقلت لها: رغم أنه سؤال غير منطقي؛ لأن الله لو مخلوق، فلن يكون إلهًا، ولكن دعينا نعرض هذا السؤال بالمنطق والعقل، ونتبع قانون الاحتمالات.. لنقل خلقه إله آخر، هذا الإله مؤكد أنه أقوى منه وأقدم، وبهذا لا يكون الإله الأول إلهًا، ثم نعود نسأل: من خلق الإله الثاني؟ إله ثالث أقوى منه وأقدم، ولن يكون الإله الثاني إلهًا، ومن خلق الإله الثالث؟ إله رابع أقوى وأقدم، وهكذا سنظل ندور في دائرة مفرغة. كما أننا سنسأل: أين هؤلاء الآلهة؟ ولماذا يتركون الإله الأول وحده يقول إنه خالق الكون؟ هل هم غافلون، أم أن سطوة الإله الأول تخيفهم أن يتكلموا؟!
قالت: ولكنك بلسانك قلت إن لكل شيء وحدث عليَّة وسببية.
قلت: لكل شيء أو حدث، والله ليس شيئًا ولا حدثًا.. إنه الله، ليس كمثله شيء. هناك مقولة للدكتور مصطفى محمود في هذه القضية، وهي أنك مهما حاولت أن تقنع عرائس الماريونيت أن مَنْ يحركها إنسان يتحرك بدون خيوط، فلن يُصدِّقوك.
نحن نريد أن نُخضِعَ الله لنظامنا.. يا صديقتي السببية والعلية الله خالقهما لنظام الكون والإنسان، فهم يخضعون لهما، ولا يمكن أن يخضع سبحانه وتعالى لهما، ولو خضع فهو ليس إلهًا. لا بد من الوصول إلى مصدر لكل شيء، فلا يوجد في العلم والمنطق شيء اسمه “في المطلق”.
أجابت وقد ملأت وجهها ابتسامة مشرقة: أعتقد أنني خرجت من الفراغ المطلق.
صديقتي منذ سنين وهي محافظة على الصلاة وقراءة القرآن، ولا تفارقها حسرة ضياع عمرها لهثًا وراء ثقافة فارغة.

 التعليقات

 أخبار ذات صلة

[wysija_form id="1"]
إعلان بنك مصر

إعلان بنك مصر

جميع الحقوق محفوظة لجريدة البيان 2015

عدد زوار الموقع: 57085985
تصميم وتطوير