الخميس الموافق 17 - أكتوبر - 2019م

الميتاسرد وسوناتا الوجع ..في قصة (شخص اسمه مفيد )للقاص الفلسطيني زياد خداش

الميتاسرد وسوناتا الوجع ..في قصة (شخص اسمه مفيد )للقاص الفلسطيني زياد خداش

كتبت: إيمان الزيات

من عتبة الولوج الأولى إلى نصه (شخص اسمه مفيد) نجد أن لاشيء مجاني عنده، فالعنوان يجرد البطل من أدوات التعريف التى من شأنها أن تحدد كينونته أو هُويته الحقيقية وهو إرهاص جيد للدخول إلى شخصية (مفيد) وإلى ذلك النص المخاتل، حيث نعتقد في البداية أن الشخص هو البطل ولكن ينكشف لنا أنه ستار للبطل الرئيس بالقصة ( رام الله/ المكان)؛ فالفضاء المكاني هو قاعدة الأساس التي ينبني عليها النص الأدبي عند (زياد خداش) لكنه يحب مخاتلة القاريء وإقناعه بغير ذلك، بالدخول إلى عالم الشخوص التى يستعيض بوصفها عن وصف المكان فيحيلها إلى معادلات موضوعية ورموز للمكان ذاته في النهاية.
إن (زياد خداش) يخشي أن تضيع الأرض في التلهي والزهد في كل ما هو اعتيادي كما ضاعت وطمست بعض ملامح الهُوية بالتشييء، لذلك يتشبث في مرحلة ما من مراحل قصته بالرصد والتدوين على حوائط السطور فيفعل ما فعله الإنسان البدائي داخل الكهوف قديماً، فيسجل أسماء الأماكن والشخوص ليثبتها في الذاكرة حتى لا تنقشع وتغيب كما غاب (مفيد) الذي اعتاد على رؤيته منذ عشرين عاماً (برأسه المطأطيء، وقامته الطويلة المنحنية) دلالة على الاستسلام للواقع الرمادي المغبش الذي يحيط به كجاكيتته الرمادية التى يرتديها دوماً، كما لا ننسى الدلالة السيميائية في قوله:
” منذ عشرين عاماً أراه هابطاً إلى رام التحتا من رام الله الفوقا”.
دلالة على سيرورة الحال للأسوأ كأنه كان يسير من العلو للهاوية التى سيختفي فيها ذات يوم.
يجعلنا (زياد) في باديء الأمر ننزعج من عقدة بسيطة وهي: أن (مفيد) هذا يحييه باسم ليس له هو (صلاح) لكن (زياد) يحاول التعايش مع ذلك الخطأ لأنه لا يرى أي خسائر في كونه (صلاح) أو مرابح من كونه (زياد) ، فإن كان هو (صلاح) فمفيد في قائمة اهتماماته أقل حتى من كونه (صلاح) إنه عبارة عن كيسين من الخضراوات وساعة يضبط عليها مواعيده، حتى إذا ما رآه يوماً في الطريق عرف أنه قد تأخر حتماً على موعد ما.
وتخفت ضجة الأحداث شيئاً فشيء؛ فتسير برتم زمني رتيب رتابة التكرار فيتماهى القاريء معه في شعوره بالضجر، ولكن سرعان ما يعلو تون الأحداث من جديد عندما يختفي (مفيد) فجأة وتختفي معه كل المشاهدات المعتادة؛ فيضطرب الزمن ويكسر حاجز الاطمئنان لدى البطل والقاريء معاً.
وهنا تدخل الأصوات السردية الأخرى بحضور الحوار في سؤاله لصديقه (عوني) الذي يعمل في محل الأزهار عن مفيد وتأتي المفارقة أن من يسأل عنه لم يكن اسمه (مفيد) بل (عبد اللطيف) فيأخذ مسار السرد منحنى آخر أكثر رحابة واتساعاً ويخرج من الذاتي إلى العام فالجميع أصبحوا مجرد (لحظة ضجر) في حياة بعضهم البعض ولم يعد الأمر يستحق أن يصححون أسماءهم فهم مجرد (مشاهدات اعتيادية) عابرة لا يعرفون أهميتها إلا بغيابها.
لقد غابت بغياب (مفيد) (رام الله) كلها بتفاصيلها : (شارع الحسبة، نزلة البريد، حي المصايف، فلافل عبدو، مكتبة الجعبة، بوظة ركب، محطة (فوردات) أبو ديس، مقهى الانشراح).
اختفت (رام الله) التى شهدت تحولاته الجسمانية، وانقلابه الأدبي، ورأت انكسار قلبه كل ذلك بعيني (مفيد)، غابت صديقاته وبيوته القديمة وساندويتشاته وكتبه) فماذا تبقى له بعد (مفيد) بعد (رام الله)؟!!
إنه واقع أليم أن تنعدم الجاذبية فجأة ويصبح المرء هائماً يحوم في سديم.. ساعتها تتزلزل جميع قناعاته ومعتقداته التى ألفها وتشيع الفوضى بداخله بعد انتفاء المسلمات.
لم تتوقف الفجيعة عند هذا الحد فلقد بدأ (زياد) يتشكك في كون اسم (عوني) صديقه الحميم وزميل الجامعة ورفيق النضال، هو بالأصل (عوني)!!
فتحول (عوني) أيضاً بذلك إلى معادل موضوعي لكل ما يمثله وانتقل التشكك فيه إلى التشكك في حقيقة كل ما يمثله.. وكل ما مر به البطل في حياته في مراحل (الشباب، والتعليم، والنضال).
لمن ينتصر اذن وعلى أي شيء يأسف؟!!
وإجمالاً فلقد أجاد المبدع (زياد خداش) تطويع الفضاء (الكرونوطوبي/ الزمكاني) في نصه، كما أحسن استخدام تكنيك المعادل الموضوعي، والرمزي لأخذ النص خارج حدود خطيته المكتوبة دافعاً القاريء للبحث في (ميتاسرد النص).
تألقت الدلالات السيميائية وكان الوصف موجهاً بامتياز، شهد سرده رشاقة ملحوظة في التنقل من (السرد للحوار والعودة للسرد من جديد)، وامتاز نصه بالمحاكاة التى لا تكتفي برصد الحدث بل تلتقطته وتعيد تصديره للقاريء محملاً بالشحنات الانفعالية العالية والمتأججة.
وكانت النهاية اشكالية مفتوحة تعكس حالة القلق الوجودي حتى اللحظات الأخيرة، لتخلق نوعاً من العصف الذهني لدى المتلقي المشارك بالنص.

 التعليقات

 أخبار ذات صلة

[wysija_form id="1"]
Warning: Use of undefined constant sidebar - assumed 'sidebar' (this will throw an Error in a future version of PHP) in /home/elbyan/public_html/wp-content/themes/elbyan-html/sidebar.php on line 170

انت لاتستخدم دايناميك سايدبار

جميع الحقوق محفوظة لجريدة البيان 2015

عدد زوار الموقع: 34972487
تصميم وتطوير