الإثنين الموافق 23 - نوفمبر - 2020م

أحمد عماد يكتب  “السيسى .. قائد الإصلاح “

أحمد عماد يكتب  “السيسى .. قائد الإصلاح “

 

🖋️ أحمد عماد

 

 

السيسى ليس مجرد «قائد»، أسدل ستارة النسيان على زمن الإخوان، لكنه «فكرة» مضمونها الحفاظ على هوية وطن من التمزق. والفرق بين ثورة يوليو و٣٠ ستة، أن ثورة يوليو ثار فيها الجيش فوقف الشعب معه، و٣٠ ستة ثورة شعب حماها الجيش، هذا القائد الوسطى المتصوف يعرف أثقال الحكم وحجمها، وما فعله- كوزير دفاع- مع الإخوان هو مغامرة بكل المقاييس ثمنها حياته. ولكن السيسى «العقل» لا يؤمن بالحنجورى ولا يلعب سياسة مكحلة بالعواطف. فكل خطوة محسوبة، إنه صاحب مدرسة «الاحتمالات» والردود عليها. وأى عملية يقدح بها ذهنه لا ثقوب فيها، لأن الثقوب تسمح بالتسرب وإفشال ما يضمره. وأحمل على ظهرى نصف قرن من العمل المتواصل يؤهلنى لنظرة فاحصة. وأرى أن السيسى «الرجل والموقف» لا يعرف الاندفاع أو التهور، بل إن قاموس العمل العام عنده يخلو من الكلمتين. ورغم أن رئيس الدولة له مستشارون، فإن السيسى «الذهن» تموج فيه الأفكار ذهابًا وإيابًا، ورغم تفاؤل الرجل بطبيعته علّمته القوات المسلحة أن يدخل خانة «أسوأ الاحتمالات» ويعمل حسابًا لها. إن بعض القضايا المطروحة، كنت- كمواطن مصرى لى مشاعر ودماء فى عروقى- أظن أن صبر الرئيس قد نفد، لكن السيسى ابن القوات المسلحة لا ينفد صبره وقد يغضب ولكنْ لغضبه سقف.

قال ديجول مرة: «أضع غضبى فى أقرب ثلاجة». وغضب السيسى قد يبدو فى نبرة صوته وهذا- بشريًا- تفرضه طبيعة الأشياء، لكنه لا يحوّل الغضب إلى «فعل»، إنه يتحدث إلى الشعب فى حضور «جاهزية الجيش»، إنه يفكر فى «إطار قوة» ويلجأ لكل الحلول الممكنة وغير الممكنة، وفى كل هذه الاختيارات يبرز صوت عقل القائد ومائة مليون مصرى فى رقبته.

هذا القائد يملك، رغم شراسة المقاتل، قلبًا عطوفًا حنونًا بلا ضفاف. تأملوه وهو يراقب مواهب ذوى الاحتياجات وأطفال السرطان حليقى الرؤوس. تأملوه وهو بين أبناء وبنات الشهداء وهو يربت على ظهورهم. تأملوا لمعة عينيه وهو بين شباب مصر فى مؤتمراتهم والزهو بهم. تأملوه وهو بين رجاله جيشًا أم شرطة والأمان يسرى فى الطرقات وحدودنا ويتحول المقاتلون إلى ضباع جاهزة للفتك بأعداء مصر. ملفات كثيرة داخلية وخارجية تسكن عقله وكلها صعاب وتحديات ومخاطر وأشواك، هى فى الواقع قدر هذا الرجل، عبدالفتاح السيسى.

لا أعرف كم ساعة نوم يستريح فيها عقل الرجل ويكف عن تقليب الأمور. الفرد العادى إذا سكنت فى ذهنه مشكلتان أو ثلاث، طارده الأرق وطار النوم من عينيه. فما بال «رأس الحاكم» وملفات عديدة لا تُحصى من رغيف الخبز إلى رغيف الأمن، مرورًا بكيان دولة تواجه من الداخل والخارج عواصف رعدية، تهدد فى أى لحظة بتحرك جيوش وحرب لا ريب. لكن أعصاب السيسى الفولاذية هى السد المنيع من أى انفلات لإيمانه بمنطق العقل فى الحلول. لا أدرى عفوًا إذا كانت رياضة «اليوجا» من بين رياضات يمارسها الرجل؟! نعم، بعض الخطوط المتشابكة والدوائر المعقدة والتصريحات المنفرة، تجعل الإنسان العادى يكاد يخرج من جلده، ولكن الله منح هذا البلد قائدًا حاكمًا لا ينفعل بسهولة وليس بين آليات منهجه «رد الفعل». نعم- كما أردد دائمًا- إنه سيناريو إلهى أن يكون السيسى «رجل هذه المرحلة». ما يجرى فى ليبيا ومحاولات التحرش بالهيبة الوطنية، يقابله السيسى بالحوار- لا عن ضعف- لأنه قادر على «دك» الأطراف ذات الأظافر الطويلة. لكنه- بصبر أيوب- يحارب الإرهاب وميليشياته الإلكترونية، وفى نفس الوقت يؤلف مجلسًا له مستشار طبى متخصص، يضع خطة للحفاظ على حياة المصريين من أخطار الكورونا التى تحصد الأرواح، وفى لحظة «عاقلة» يجيب عن سؤال: الصحة أم الاقتصاد؟ ويجيب: الاثنان معًا. علينا أن نتعايش مع الوباء مع جميع الاحترازات وتصبح «الحياة» مسؤولية كل إنسان تحت سماء مصر. ورغم كل «الشواغل» فهو فى مواقع العمل والمشروعات الجديدة يحتفل بميلادها «الأسمرات نمطًا»، فالرجل كان قد خطط لإعلان الحرب على العشوائيات بحيث تبدو مصر بلا عشوائيات، تشكل عودة فى السياق الحضارى فى قاهرة المعز ذات العبق التاريخى. وفى نفس ذات اللحظة التى يواجه فيها التحديات، يخرج لنا كامل الوزير بقطارات جديدة فيها الدرجة الثالثة بها كرسى آدمى وتكييف، وتذكرت عندما كنت أركب قطار الصعيد ترسو إلى الأقصر ومعى مروحة ورقية تعمل ببطاريات تجلب نسمة ترد الروح! القطار الجديد المكيف حتى الترسو يعنى فى عقل السيسى مضمون «جودة الحياة». الأمر لم يعد كلامًا شفويًا للاستهلاك المحلى. بل صار حقيقة دامغة، الرجل يحلم بمصر أخرى.

لا يفقد القائد ابتسامته، وفى علم السياسة، كما علّمنا تشرشل، أنها «ابتسامة الطمأنينة»، يبثها فى اجتماع بجنوده وضباط جيشه أو بمجلس وزرائه، حتى فى جولاته التفقدية بسيارته فى الشوارع، يسأل ويتقصى ويحاور. إن السيسى ليس الحاكم الذى يرى الشعب من خلال التقارير، بل رؤى العين، إنه «صديق المصريين وحبيبهم»، الباكى على صحتهم وشهدائهم، الداعى لحياة كريمة.. آدمية.

إن قوة السيسى فى «إيمانه» الشديد بالله. لديه الثقة بالنجاح، «الله يمد يده إليه»، لهذا لا يعرف التردد ولا أنصاف الأشياء. ينطبق عليه ما يذهب إليه الشاعر خليل جبران حينما يغرد: «لا تقف فى منتصف الحقيقة ولا تحلم نصف حلم. النصف هو حياة لم نعشها وهو كلمة لم نقلها. نحن فى النصف نريد ولا نريد. من يقف فى النصف لا يصل إلى أى خط نهاية ولا يحقق حياة. والسيسى «يدعونا لنحدد أهدافنا ولا نتوقف فى النصف». والمذهل فى الرجل أن عقله يقرر منهج قضايا مصيرية وعينه على المائة مليون: مم يشكون؟ إنه يحترم المرأة ولديه إيمان بلا حدود بدورها كقوة ناعمة ومجتمع مدنى، ذلك هو التحضر بلا براهين ولا تفسيرات سيكولوجية، لعل أهمها أنه «تربى فى مناخ صحى»، تأملوه فى التعامل مع كبار السن من النساء، تأملوه وهو «يصغى» للشاكيات الباكيات وهو يحول الدموع إلى ابتسامات، تأملوا لمعة عينيه وهو يرقب شابًا من ذوى الاحتياجات، بهره بموهبة حباه الله بها. أملك أن أقول إن عصر السيسى هو «العصر الذهبى» لذوى الاحتياجات، وللدقة كان الاهتمام الرئاسى السابق لحظة العرض فقط، أما زمن السيسى فهو يتابع «ما بعد الاحتفال»، إنه لا يحب الوقوف فى «المنتصف». ولا أستطيع بالمناسبة أن أنفى حجم «المغامرة» فى شخصية الرجل. فذهابه للكنيسة المصرية فى أعيادها يبرهن على شجاعة وجسارة و«Faith» إيمان حضوره فى قلبه كالوشم. وهو الذى مازال أمس واليوم وغدًا يواجه إرهابًا أسود ويزور الكنيسة الأرثوذكسية ليهنئ أقباط مصر بأعيادهم ويعطى للبابا الاحترام الروحى قبل الرئاسى. نعم، إن أقباط مصر هم شريحة مصرية، ولكن شتان بين عصر يحرق الكاتدرائية وعصر يبنى كنيسة فى العاصمة الإدارية ويرمم الكنائس الجريحة ويمسح غبار الحزن عنها. إنه- دون أدنى مبالغة- صاحب مواقف نالت احترام العالم وقادته. ذلك أنه «رئيس مصر»، مصر العبقرية والموقع والتاريخ. يحميها جيش من الأُسود. جاهزيته حاضرة حين تُسوّل لأحد نفسه عبور الخط الأحمر. لكننا لسنا دعاة حرب، هكذا يقول السيسى، وليس لنا مآرب فى ليبيا. هكذا يقول السيسى، ويقول «نحن نتعامل بشرف فى زمن ليس فيه شرف. السيسى كما خبرناه «رجل قرار» وليس رجل جدل، لأن الجدل يظل جدلًا دون الوصول للحقيقة، وهذا لا ينفى أنه يؤمن بالحوار، وما جلسته مع شيوخ ليبيا إلا نموذج من الحوار والتشاور لا يحكمه العداء، ومن القضايا التى لا تفوتنى أن السيسى «ذاكر تاريخ مصر جيدًا» فهو لا يسمح بمراكز قوى على أى صورة تطفو على سطح المجتمع.

وبالرغم من اختلافى معه فى العديد من الأمور التى تتطلب منه قرارات حاسمة وحازمة مثل وجود حكومة وبرلمان ليس لديهم دور فعال ولا قيمة مضافة , فأقول أنه مهما كانت درجة الاختلاف معه ومهما كانت أخطاؤه وخطاياه , فلابد أن أذكر شهادتى فى السيسى قائدًا وحاكمًا ومصلحًا، دون ابتغاء أى مصلحة أو مكسب أو رضاء. أكتبها بحب واحترام وود.

 التعليقات

 أخبار ذات صلة

[wysija_form id="1"]
Warning: Use of undefined constant sidebar - assumed 'sidebar' (this will throw an Error in a future version of PHP) in /home/elbyan/public_html/wp-content/themes/elbyan-html/sidebar.php on line 170

انت لاتستخدم دايناميك سايدبار

جميع الحقوق محفوظة لجريدة البيان 2015

عدد زوار الموقع: 45821481
تصميم وتطوير