السبت الموافق 23 - سبتمبر - 2017م

وحيد القرشي يكتب “الراقصة دكتورة”

وحيد القرشي يكتب “الراقصة دكتورة”

 

نور الصبح قد شع وملئ أركان حجرتي ,الان امي في طريقها لتصعد الدور الثاني لتعطيني درس في القيم والاخلاق والاعتماد علي النفس , أستيقظ دائما علي صوتها الحنجوري فهي تشبه الرجال في صوتها ,اما والدي رجل بسيط طوال اليوم في فلاحة زرعته ,عندم أراه أتذكر محمد ابوسويلم في فيلم الأرض ,يا ليتني لم أتذكر صوتي والدتي الحنجوري ,هي تناديني لأذهب مع أولاد حارتنا للعمل في جني الثمار وقطفها من علي الشجر , دائما تعلمني الاعتماد علي النفس منذ الصغر ,وتقول ان أرض والدي لن تكون لي لوحدي فسوف تقسم بعد عمر طويل لوالدي ولها ,مع أخواتي ,وان الاعتماد علي النفس من الصغر يكسب الشخص في الكبر شخصية قوية وقدرة علي تحمل مصاعب الحياة وأزماتها ,دائما كانت تحكي لي عن جدي الهمام الذي بدء من الصفر في جني الثمار من الشجر والفاعل والمفعول به أيضا في كثير من الاعمال الشاقة ,وانه عان الكثير من الوقوف والنوم علي الارصفة انتظارا لصاحب عمل يناديه ليكون فاعلا لشئ ما يتحصل منه علي أجرة تغنيه عن السؤال والقيل والقال ,وكيف أصبح أكبر تاجرغلال في قريتنا والقري المجاورة,و له سيت وكلمة مسموعة وسط الاعيان , تحفذني دائما لكون نسخة من جدي ,ودائما اقول لها ان الزمن تغير وكل شئ اصبح صعب المنال ,فتصيح في بصوت عالي حنجوري ,”الزمن الا اتغير والا الرجالة الا انتهت وماتت خلاص” ,أضحك واتركها واقول انني ما زلت صغيرا علي هذا الكلام يا امي ,أتركيني وشأني

لقد وصلنا جنينة عمي شعبان الرجل الطيب القلب ,ساعات جميلة مطعمة بنكت وضحكات لدرجة الصياح والبكاء احيانا من شدة الضحك ,يقولون ان الضحك يميت القلب ,ولو كان ذلك صدقا لماتت قلوبنا منذ سنوات ,فهي تبتهج وتزداد فرحة وسعادة ,كل ذلك بسبب صعفان صديقي صاحب النكتة والمزاج والحكايات والرويات,يتمني الجميع الا تنتهي تلك الساعات وننتظر اليوم التالي لنجتمع مرة أخري ,وفي المساء نلتقي علي قهوة القرية لنتسامر ونلعب ونلهو ,نحن الان في اجازة نصف العام أما الليلة لها طعم ومذاق خاص ,ليلة حتي الصباح ,حنة صديقنا وابن حارتنا نعمان علي صفاء بنت حارتنا ايضا ,جمعهم الحب لسنوات عدة ,وقد تحقق المراد واليوم الحنة وغدا الدخلة ليجمعهم بيت واحد,كم تمنيت اكون مثل نعمان وتكون تلك ليلتي .

الان في طريقي لبيت نعمان ومعي رفاقي وأصدقائي لنحي ليلة جميلة في قريتنا الطيبة , لقد وجدنا نسوة حارتنا يغنون مستخدمين الجرادل كقطع إيقاع موسيقية بينما كنت أنا وأصدقائي في الجموع الملتفة حولهم في حلقة يستمتعون بالغناء ويشاهدون رقص البنات الصغيرة والمراهقات احتفالا بحنة نعمان وصفاء اولاد حارتنا.”حارة المزينين” لكثرة صالونات الحلاقة بها.

وبينما أنا منهمك في متابعة إحدى البنات التي لفت قطعة من القماش الأبيض حول خصرها النحيف “وقد صدق القول ان الرجال يتقاتلون علي المراة صاحبة الخصر النحيف “فهي تتراقص كالراقصة الماهرة وتتمايل كالمرأة اللعوب , و تصفق بيدها الجميلة على أنغام الأغاني الفلكلورية” “يحيا أبوها يحيا.. يحيا أبوها يا جدعان…يحيا أبوها وشنبه.. اللي ما حدش غلبه”,أما أصدقاء نعمان ألتفوا حوله ليغنوا له”حلال عليك ست الحلوين.. عرفت يا عريسنا تنقي…

رشوا الملح يا ناس م العين.. ورقصوني ده أنا من حقي…

الليلة ليلة هنا وسرور.. وكوبيات في صواني بدور” ووسط حالة الفرح العارمة الباهظة ,رايتها تمر من أمامي في خطوات مسرعة محاولة تحاشي الزحام حول حلقة الرقص كانت ملفته للنظر جذابة ربما لدقة ملامحها الظاهرة, مع بشرتها السمراء ورشاقة جسدها وطابع الحسن المتوسط ذقنها ، تعلق نظري بها حتى تخطت حلقة السمر متجه إلى خارج الشارع فحضر في بالي ما كان يقوله أصدقائي عنها من أنها سيئة السلوك وكيف أنها كانت على علاقة بأحد الشباب من ذوي التاريخ الأسود في العلاقات النسائية فوجدت نفسي لا شعوريا انسحب من بين أصدقائي ورفاقي , وأسير خلفها محاولا عدم لفت نظرها لي و المسيطر على فكري أنها من المؤكد في طريقها لمقابلة هذا الشخص الملعون وأني سوف استمتع بهذه المقابلة المثيرة التي لن أطيق صبرا على سرد تفاصيلها لأصدقائي بمجرد رؤيتهم .

ظللت اتبعها تنتقل من شارع لشارع حتى وصلنا إلى اكبر شارع في حارتنا حيث الميدان الكبير الذي تتوسطه نافورة يجلس حولها الشباب الأكبر سنا ممن التحقوا بالجامعة فمرت من أمامهم و أصبحت خطواتها أبطأ من ذي قبل فتيقنت انها تحاول لفت أنظارهم لها ثم اتجهت نحو عصارة القصب فأعطت صاحبها بعض النقود فأخذ يملئ لها زجاجة لم ألاحظها في يدها من قبل فقد كان تركيزي طوال تتبعها على شيء أخبرني به أحد الأصدقاء ممن كنت أعدهم من الخبراء في مثل هذه الأمورالقذرة , ألا وهو أن الفتاة التي تمارس العلاقات السيئة دائما تجد الجزء الذي يعلو عقب قدميها منتفخ بعض الشيء ولكن لسوء الحظ فشلت في التأكد من ذلك فانتظرت حتى انتهى صاحب العصارة من ملئ الزجاجة بعصير القصب وناولها لها فأخذتها وعادت من حيث أتت و سرت خلفها حتى عدنا وكانت حلقة السمر قد اوشكت على الانتهاء وخف الزحام حولها فاستقبلني احد الأصدقاء معاتبا لي عن اختفائي في الوقت الذي قامت فيه أحدى السيدات الشهيرات بالجمال والدلع والرشاقة بالرقص داخل الحلقة فشعرت بالضيق و الندم على عدم مشاهدتي الرقصة ومتابعتي لفتاة أقصى ما فعلته شراء عصير قصب لها و لأهلها .

سيطر عليه التذمر والضيق من عدم مشاهدة السيدة الجميلة وهي ترقص,وظل معي هذا الضيق في الأيام التالية لهذه الواقعة والتي كنت كثيرا ما أتخيلها وهي تتمايل رقصا محركة نهديها اللذان يشبهان حبات الرمان في أحلام يقظتي الملجأ الوحيد لي للهروب من صفحات الكتب الممتلئة بالكلمات والمعلومات المملة و كانت هذه الأحلام كشاشة عرض سينمائي غير مرئية غير لي أنا فقط في حجرتي التي تحولت الى مكان الإقامة الجبرية لطالب في الثانوية العامة وحارسها أمي تحمل في يدها سلاحها المتمثل في فردة شبشبها الأخضر اللون ,تصفحني به بين الحين والاخر لتيقظني .

مرت الأيام والليالي وتخطينا الامتحانات فحاولت الاستمتاع بالأجازة الصيفية قدر المستطاع قبل ظهور النتيجة التي كنت على يقين أنها لن تكون في صفي ولن يرضى عنها أهلي حتى جاء اليوم الموعود فتصنعت النوم وعدم القدرة على النهوض على الرغم من صيحات أبي و امي صاحبة الصوت الحنجوري ,تناديني لأذهب للمدرسة للحصول على النتيجة حتى اخبرني ابي بأنه هو من سيذهب فنهضت مسرعا مخبرا إياه بأنني من سيذهب لإحضارها وأعددت العدة في نفسي في حالة رسوبي على الهروب مباشرة لأي مكان و فجأة رن جرس الباب وظهر أحد أصدقائي ووالده صديق أبي الصدوق في الفلاحة والجلوس علي القهوة وكل مناحي الحياة, وكانت ملامحهم كفيلة بأن اقفز من الشباك وعندما هممت بفعل ذلك سمعته يبارك لابي فتسمرت في مكاني , يقول له اني قد نجحت ولكن مجموعي لم يتخطى الخامسة والستون في المائة فسجدت شاكرا لربي , وعندما نهضت من السجود سأله ابي عن ابنه لم يرد الرجل ولكنه رفع يده وهوى بها على قفا صديقي محدثا صوتا كصوت القرع على الجرادل في حنة نعمان وصفاء, ووجدت صديقي ملقئ على وجهه تحت قدمي فقفز أبي نحوه مانعا أياه من الإجهاز على أبنه وتعالت صيحات الرجل مخبرا أبي بأن أبنه هذا فاشل لا هم له سوى اللعب واللهو والجري وراء المراهقات أمثاله , وكم كانت صاعقتي عندما أخبر أبي باسم الفتاة التي حازت على أعلى الدرجات والمركز الاول في القرية ووجدتها هي تلك الفتاة التي كانت ترقص وتتمايل كالحية والمراة اللعوب في حفل حنة نعمان وصفاء ,والذي قيل عنها انها سيئة السمعة,و التي سرت خلفها متتبعها كي اضبطها بالجرم الفظيع .

خطرت كل هذه الذكريات بخاطري وفكري , وأنا داخل غرفة العناية المركزة بين الحياة والموت,عندما رجعت لحالتي الطبيعية ,وجدت ان الدكتورة المتابعة لحالتي هي تلك الفتاة التي كنا نظن أنها سيئة السمعة ,فهل أصبحت الراقصة دكتورة,سبحانك ياربي,,بفضلك وكرمك ومتابعتها ورعاياتها بحالتي لكنت في تعداد الاموات ,سبحانك يارب قولت في كتابك: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ ﴾

 

 

 تعليقات الفيس بوك

 أخبار ذات صلة

[wysija_form id="1"]

انت لاتستخدم دايناميك سايدبار

جميع الحقوق محفوظة لجريدة البيان 2015

عدد زوار الموقع: 16910633
تصميم وتطوير