الإثنين الموافق 22 - أكتوبر - 2018م

لكم ” كونجرسكم ” ولنا ” مصر “

لكم ” كونجرسكم ” ولنا ” مصر “

بقلم / جرجس بشرى

حالة من الجدل تسود الآن حول طرح أعضاء بالكونجرس الأمريكي مشروع قانون لدعم الأقباط في مصر ، حيث يبرر البعض ــ وفي رأيي أن تبريرهم ما هو إلا عذر أقبح من ذنب ــ وخاصة قلة من المصريين الأقباط بالخارج هذا القانون هذا المشروع بسبب ما يصفونه بالتضييق والقيود المفروضة على بناء الكنائس في مصر حيث يرون أن قانون بناء الكنائس الذي تم إقراراه قد فشلا ذريعا في حل مشكلات ترميم وبناء الكنائس في مصر حتى هذه اللحظة ، وبسبب عدم تطبيق الحكومة المصرية القانون بكل قوة وحسم على المتطرفين الذين يستهدفون الكنائس بل وتحصينهم من المساءلة والمحاسبة عبر جلسات صلح عرفية يجبرون عليها ، والحق أقول أن محاولات التدخل الأمريكي والخارجي في شئون مصر الداخلية بحجة دعم وحماية الأقباط ليست وليدة اليوم ولا البارحة بل هي قديمة ولها جذور تاريخية ، وفي ذات الوقت يسطر التاريخ المصري وتاريخ الكنيسة المصرية بسطور من نور رفض الكنيسة القاطع لأي محاولات للتدخل في شئون مصر تحت ستار ” دعم وحماية الأقباط ” ، وهذه المواقف الوطنية للكنيسة المصرية وللأقباط مسجلة كتبنا عنها كثيرا ، وتدفع الكنيسة والأقباط كل يوم أثمانا باهظة من دمائهم وممتلكاتهم واستهداف كنائسهم بسبب استمساكهم بالوطن ووحدته ، ولعل آخر هذه المحاولات القذرة كان المؤتمر الذي عقد بالولايات المتحدة الأمريكية تزامنا مع بعض الأحداث التي شهدتها مصر في محافظة المنيا منذ عدة شهور ؛ من غلق لبعض الكنائس بحجة عدم وجود تراخيص وإغلاق منازل يصلي فيها الأقباط ويؤدون شعائرهم الدينية لعدم وجود كنيسة بالمنطقة التي يعيشون بها ، حيث خرج علينا ” مايك بنس ” نائب الرئيس الامريكي في مؤتمر في ذلك الوقت عقد بواشنطن تحت عنوان ” الدفاع عن مسيحي الشرق ” ليقول بالحرف : “… إن المسيحية تتعرض اليوم إلى هجوم غير مسبوق في دول الشرق الأوسط، والولايات المتحدة ستقف دائمًا إلى جانب من يعانون بسبب ديانتهم … لن نعتمد على الأمم المتحدة فقط لحماية المسيحيين والأقليات ولكن سنتواصل مع كل المنظمات المعنية … ” إلى هنا انتهى الإقتباس من كلمة مايك بنس ، ولكن يجب أن نؤكد على أن بنس قال في المؤتمر أنه سيزورمصر لدعم الأقباط والأقليات الدينية الأخرى ، وهو ما دفعني وقتها مباشرة للرد على هذا المؤتمر في مقال صحفي ، وطالبت فيه برفض زيارة مايك بنس لمصر لأنها زيارة مفخخة وتعد تدخلا في الشأن المصري ، كما كتبت مقالا صحفيا آخر أطالب فيه المصريين والرئيس عبد الفتاح السيسي برفض الزيارة التي كان مقررا لها ديسمبر الحالي ، لسببين الأول بسبب قرار ترامب بنقل السفارة الأمريكية للقدس المحتلة وبسبب ما تحمله هذه الزيارة من تدخلات سافرة في الشأن المصري بحجة حماية الأقباط ،أما بخصوص مشروع القانون الذي تقدم به عدد ستة أعضاء من الكونجرس الأمريكي لدعم الأقباط في مصر يوم الجمعة الماضي 23 ديسمبر والذي أطلقوا عليه ” H.Res.673- Expressing concern over attacks on Christians in Egypt ” فهو بالنسبة لي مرفوض جملة وتفصيلا ، كما أن الكنيسة المصرية إنطلاقا من ثوابتها الوطنية ترفض مثل هذه القوانين المشبوهة ، وليس خافيا على أحد أن الكونجرس الأمريكي حاول التدخل السافر في الشأن المصري مرارا من أيام البابا الراحل الأنبا شنودة الثالث بحجة حماية الأقباط والكنائس ولكن كافة محاولات الكونجرس لوضع مكان لقدم في مصر بحجة حماية الأقباط باءت بالفشل تحت صخرة وطنية الكنيسة المصرية وباباواتها وأقباطها ومسلموها وستبوء بالفشل الذريع ومصيرها تحت جِزم المصريين ، فالمؤمن لا يلدغ من جحر مرتين ــ أبدا ــ حيث من يتأمل مصير الدول التي تدخلت فيها أمريكا بحجة حماية الأقليات وحقوق الإنسان والديمقراطية يكتشف للوهلة الأولى أنها إكذوبة ، حيث دمرت أمريكا العراق واستنزفت خيراته تحت ستار الديمقراطية وحقوق الإنسان ، وكانت الكنائس في العراق يتم دكها دكا ويستهدف الإرهاب المسيحيين على مرآى ومسمع من القوات الأمريكية التي لا يهمها إلا مصالحها وتوسعاتها وأمن دولة الكيان الصهيوني المغتصب ــ فأمريكا لا يهمها مسيحيين ولا غير مسيحيين بل كانت عيونها على النفط وتفكيك الجيش العراقي لصالح أمن إسرائيل ، وتكررت هذه السيناريوهات في سوريا وغيرها ، وفي ذات الوقت فإنني أحذر وأدق ناقوس الخطر من خطورة التطرف الذي يستهدف الكنائس وهو في الحقيقة يستهدف مصر كلها ، وأحذر من اختراق بعض المتطرفين للأجهزة الأمنية الوطنية وهو ما يستوجب على الفور إتخاذ قرارات عاجلة وصارمة لتطهيرها منهم ، كما أطالب بإدراج جريمة الإعتداء على مسجد او كنيسة أو أي دور عبادة ضمن الجرائم الإرهابية التي تستوجب محاكمات عسكرية ، وإعادة النظر في قانون بناء الكنائس الحالي بشكل يكفل الحقوق الكاملة لكل المصريين في بناء دور العبادة وممارسة الشعائر الدينية دون قيود ، خاصة وأن وجود قانون خاص ببناء الكنائس فقط هو في حد ذاته تمييز وهو ما يتطلب إجراء تعديل على القانون ليشمل بناء دور العبادة جميعها ، فلا سبيل لتأكيد وتأصيل مفهوم الدولة الوطنية في مصر إلا بتجريم كافة اشكال التمييز بين المصريين في الحقوق والواجبات إستنادا إلى دينهم أو مذهبهم ، فطوق النجاة للدولة المصرية الآن هو تأصيل مفهوم الدولة الوطنية وتجريم التمييز وتطبيق القانون بالأفعال وليس بالأقوال ، وذلك حتى لا نعطي أي مبررات لأمريكا وغيرها للتدخل في شئوننا ، وإن كان الكونجرس الأمريكي أنشأ ” لجنة الحريات الدينية حول العالم ” عام 1994 بقانون يهدف لتقييم اوضاع الحريات الدينية خارج الولايات المتحدة الأمريكية ، فالأجدر بها أن تنظر إلى الخشبة التي في عينها قبل أن تنظر للقذي في عيون الدول المستهدفة ، خاصة وأن سجل الولايات المتحدة الأمريكية في دعم الإرهاب والجماعات المتطرفة وداعش وجرائمها العنصرية بحق السود مرعبة ، وكذلك جرائم التعذيب التي ارتكبتها في سجن ابو غريب وجونتانامو يشيب لها شعر الرأس ، وأطالب الحكومة المصرية بإعداد تقرير سنوي يسجل انتهاكات امريكا لحقوق الإنسان خارج الولايات المتحدة وداخلها إستنادا إلى مبدأ المعاملة بالمثل الذي تقره المعاهدات الدولية والقانون الدولي والعلاقات الدولية بين الدول ، فمصر ليست بالدولة الصغيرة ولكنها دولة تاريخية وحضارية ذات سيادة ومن حقها أن تستحدث هذا التقرير كآلية جديدة للرد على التدخلات الأمريكية السافرة في شئوننا ، كما أطالب بمجلس وطني للشئون الدينية تابع لرئاسة الجمهورية يتم تشكيله من شخصيات إسلامية ومسيحية مشهودا لها بالوطنية والإعتدال وحسن السيرة يكون دوره تقديم استشارات ومشروعات قوانين وأفكار وكتيبات تخدم المشروع الوطني وتعيد تحقيق التاريخ المصري تقترح قوانين وتشريعات تتعلق بدعم الوحدة الوطنية وترد بشكل علمي وتاريخي على الإفتراءات الموجهة للإسلام والمسيحية وتعيد النظر في القوانين القديمة والعتيقة التي تقف حجر عثرة أمام تحقيق المواطنة الكاملة لكل المصريين ، وفي النهاية هناك رسالة أود أن أبعث بها للقلة القليلة من أقباط المهجر والذين يتشدقون ويدافعون عن حقوق الأقباط على عتبات الكونجرس والبيت البيت ، أن كل دعواتكم مرفوضة لأن حقوق أقباط مصر يجب وبالضرورة أن تحل على أرضية وطنية مصرية خالصة ، ولن تنفعكم أمريكا ولا غيرها ، وأي محاولات للضغوط على مصر بحجة حماية الأقباط وكنائسهم مرفوضة وستبوء بالفشل … لكم ” كونجرسكم ” ولنا جميعا ” مسيحيين ومسلمين ” مصر “.

.

 تعليقات الفيس بوك

 أخبار ذات صلة

[wysija_form id="1"]

انت لاتستخدم دايناميك سايدبار

جميع الحقوق محفوظة لجريدة البيان 2015

عدد زوار الموقع: 25057168
تصميم وتطوير
WP Facebook Auto Publish Powered By : XYZScripts.com