الإثنين الموافق 24 - يوليو - 2017م

فرض حالة الطوارىء ليس بدعة مصرية

فرض حالة الطوارىء ليس بدعة مصرية

• الوضع الحقوقي في مصر يدعو لتناول المشهد بشكل حذر

 

• التقارير الرسمية الصادرة من المنظمات الرسمية متضاربة .

 

كتبت: بوسي جاد الكريم 

 

 

ذكر فهمي نديم،رئيس مؤسسة النديم لحقوق الإنسان، ان القانون الدولي حدد شروط أساسية لفرض حالة الطوارئ في وجود خطر عام واستثنائي يتهدد وجود الأمة منعا لشيوعِ الممارسات الضارة بالحريات في أوقات ليس لها طابع الاستثناء ، مشيرا إلي أن العهد الدولي شدد على أن حالة الطوارئ يجب ألا تكون ذريعة لترخيص الممارسات غير الإنسانية أو الماسة للكرامة الانسانية ، وحرمانهم من حقوقهم الأساسية ، وموضحا أن البلاد تواجه أحداثاً وحِراكاً إستثنائياً فرضته الظروف على كافة الأصعدة السياسية ، الاجتماعية ، والاقتصادية .

 

وأضاف أن الوضع الحقوقي فى مصر شديد التعقيد ، ولا يتحرى الدقة ولا الأمانة المهنية أو الوطنية مشيرا إلي أن هناك ثمانية خصائص حقوقية تسمح بمحاصرة الفساد في أضيق نطاق ، وتمثل آليات تؤدى لأشكال حقوق الانسان المعروفة ، وهي المشاركة ، والإتجاه نحو التوافق ، والخضوع للمساءلة ، والشفافية ، والإستجابة ، والفعالية والكفاءة ، الإنصاف والشمول ، والخضوع لسيادة حكم القانون . مبينا ان إشكالية حرية الرأي ظهرت بوضوح مع إنتشار الاهتمام بمواقع التواصل الاجتماعي وما لها من تأثير نحو توجيه الرأي العام ، حيث دخلت الآراء على مواقع التواصل فى منافسة ضارية بينها وبين الإعلام الرسمي والخاص.

 

• وإلي نص الحوار؛

 

بداية ما رأيك عن الوضع الحقوقي فى مصر؟

 

الوضع الحقوقي فى مصر الآن بشكل عام وفى هذه المرحلة الحرجة ، وعلى ضوء التداعيات السياسية فى الخارج لاسيما المنطقة العربية ، وإنعكاسات الوضع السياسيى والاقتصادى الداخلى ، يدعو لتناول المشهد الحقوقي بحذر شديد ، حيث أصبح الحديث عن الحقوق الشخصية والخدمية والسياسية كذلك وسيلة مُيسرة وجاهزة للمزايدة وتبادل الإتهامات من كافة الأطراف .

 

ومٍن ثَمَ فالضرورة تُحتم تناول الآراء المتعلقة بالوضع الحقوقي بكثير من الدقة وعدم الأنسياق وراء الإتهامات المُرسلة فيما بين طرفي الإتهام (المُعارضين بإتجاهاتهم ومؤسسات الدولة) والمُتبادلة فيما بينهم ليل نهار ، من خلال إحصائيات مُدعمة بأرقام أغلبها على سبيل إستدرار العطف من قِبل المُعارضين ، مع إثبات التجاوز والجرائم التى لا يمكن إثبات أغلبها على وجه اليقين ، من ناحية أخرى فمؤسسات الدولة ترد على تلك الإتهامات بطريقتين ، أحدهما ضرب عرض الحائط بأى إتهامات دون الرد عليها (بالتأكيد أو النفي) ، والأخرى تفنيد بعض الأرقام والأدلة التى يُطلقها المعارضة .

 

وفى النهاية لا توجد أدلة قاطعة (لدى الطرفين) فلا تتوفر لدى المُعارضين أدلة مادية يقينية لإثبات تجاوزات مؤسسات الدولة ، وليس لدى مؤسسات الدولة معلومات مُحددة قاطعة تستطيع بها تبرأة ذمتها أو تفنيد إتهامات المُعارضة لها .

 

لذلك فالوضع الحقوقي فى مصر شديد التعقيد ، ولا يتحرى الدقة ولا الأمانة المهنية أو الوطنية من يجزم بحقيقة ثابتة للمشهد الحقوقي فى مصر ، فمؤشره يرتفع وينخفض وربما ينهار أحياناً خلال اليوم الواحد .

 

فالحقوق الشخصية كالحق فى السكن والتعليم والعلاج والتنقل والغذاء والبيئة النظيفة والأمن والعمل … إلخ ، جميع معايرها مُتباينة ونسبية من شخص لآخر ومن بيئة لأخرى ومن مُستوى لآخر ، وصعود مؤشرها وإنخفاضه ، يتردد بين الصعود والهبوط تبعاً لرضا المواطن وتشبعه بتلك الحقوق ، لاسيما وأن تلك الحقوق مُرتبطة بشكل لصيق بمؤشر الحالة الاقتصادية للبلاد ، والتى نالت تداعياته من كافة المُستويات وعلى كافة الأصعدة .

 

وهو ما يعنى أن الحقوق الشخصية المذكورة “رغم أهميتها القُصوى” إلا أنها لا تلقى نفس إهتمام الحقوق الأخرى (السياسية والأمنية) ربما لأن المعارضة فى الداخل والخارج ، تأخذها على محمل (جمعي) حيث تُحيل هبوط مؤشر الحقوق الشخصية والخدمية لفشل مؤسسات الدولة (جميعها) فى إدارة البلاد “على حد وصفهم” وتُلقى بتلك الحقوق الشخصية فى سلة الفشل السياسي الذى يتهمون به النظام الحالي.

 

ولكن أي مُدقق فى ملف الحقوق الشخصية بشكل عام يرى بوضوح تداعي إنعكاس السياسات الاقتصادية على تلك الحقوق ، وتهديد أغلب تلك الحقوق بالتدني والهبوط ، ولعل إتهام الاصلاحات الاقتصادية على حساب المواطن البسيط يأتى فى مُقدمة نيل المؤسسات المدنية للدولة من حقوق المواطن الشخصية .

 

أما البحث فى وضع الحقوق السياسية فله شأن آخر ، حيث تجاذب الطرفين (المُعارضين بأنواعهم ومؤسسات الدولة) لمؤشات تلك الحقوق يدعو لمقاطعة دعوى (الطرفين) فالمُدعين على مؤسسات الدولة بالتجاوز يتضح بجلاء نواياهم عبر توجهاتهم وعدائهم (المُفرط) لمؤسسات الدولة ورغبتهم المُلحة للنيل منها عبر إتهامها ليل نهار بأدلة وأرقام ومُشاهدات لا تكاد ترقى لمُستوى الحقائق .

 

فى نفس الوقت لا تجد لمؤسسات الدولة ردود أو أرقام أو حيثيات منطقية لتصرفاتها ولا تكاد تصدق فى بياناتها ، مع إنزوائها خلف مكافحة الإرهاب وتخوفها على المُجتمع من الكيانات الموجودة فعليا أو حتى المُحتملة ، وأغلب ما يتم التصريح عنه من قبيل التخوفات والحديث عن تهديد الأمن العام أو ترويع المُجتمع ، وفى القليل جدا “قلب نظام الحكم” وهو ما يُشير بقوة لعدم جدية الاتهامات الموجهة للمتهمين فى كثير من القضايا التى تنتهى فى أكثر حالاتها بالبراءة .

 

وفى النهاية يجد المُجتمع نفسه بين غارقاً فى تفاصيل وإدعاءات من كافة الطراف ، لا يتحدد معها أداء حقيقي بعينه نستطيع معه توجيه إتهام مُباشر لأى من الطرفين .

 

ما تأثير قانون الطوارئ علي الوضع الحقوقي في مصر؟

 

بداية فعليا أن نتفق على أن فرض حالة الطوارىء ليست بدعة مصرية أو عربية ، لكن القانون الدولي حدد حالة الطوارئ من خلال العهد الدولي للحريات المدنية والسياسية الصادر عام 1966، حيث حدَّد الشرط الأساس لفرض حالة الطوارئ في وجود خطر عام واستثنائي يتهدد وجود الأمة ، على أن يتم إعلان حالة الطوارئ بشكلٍ رسمي وذلك منعا لشيوعِ الممارسات الضارة بالحريات في أوقات ليس لها طابع الاستثناء ، ونص العهد الدولي للحقوق المدنية والحريات على ألا تكون التدابير المتخذة متعارضة مع التزامات الدولة المعنية بموجب القانون الدولي ، كما حذَّر من أن تأخذ إجراءات الطوارئ نزعة تميزية قائمة على العرق أو اللون أو الجنس أو اللغة أو الدين .

 

كما شدد العهد الدولي على أن حالة الطوارئ يجب ألا تكون (في أي حال من الأحوال) ذريعة لحرمان الأفراد من حقوقهم الأساسية مثل الحق في الحياة ، والحق في التفكير والاعتقاد كما يجب ألا تكون ذريعة لترخيص الممارسات غير الإنسانية أو الماسة للكرامة الإنسانية كالتعذيب أو العبودية أو الاضطها ، ذلك هو المعيار القانوني الدولي لفرض قانون الطوارىء .

 

ومن خلال هذا المعيار (المُتفق عليه) ، لا يختلف أحد (حتى المُعارضين) أن البلاد تواجه أحداثاً وحِراكاً إستثنائياً على كافة الأصعدة (السياسية ، الاجتماعية ، الاقتصادية) وهو ما يستدعي حالة الطوارىء بقوة ، ويتفق الكثيرين على انه إجراء إستثنائى فرضته الظروف الاستثنائية (وما يحدث على كافة الحدود لا يخفى على أحد) .

 

إنما ما يختلف عليه الكثيرين هو إنعكاس حالة الطوارىء على المشهد الحقوقي فى مصر ، حيث ترتفع حِدة المخاوف بشأن الحريات والديمقراطية نظرا للصلاحيات الاستثنائية التي يمنحها للشرطة وأجهزة الأمن ، مع ما يُرافق ذلك (عادة) من شدةٍ في القبضة الأمنية وإحتمال وقوع تجاوزات أمراً وارداً وقد يكون متوقعاً ، وهو ما دعى البعض أن ينادى بوجوب أنْ يخضع تطبيق آليات حالة الطوارىء لتقييم دقيق وتعديل وسائلها لإخضاعها لرقابة قضائية .
ولا شك أن أي إجراء إستثائى (مؤقت) ينتهى بإنتهاء أسبابه ، ولا شك كذلك أن تعطيل (بعض) الحريات يُعطل بالتبعية يعُطل (مؤقتاً) تفاعل المواطنين مع الأحداث ، ولكنه فى النهاية يبقى مؤقتاً ينتهى يوماً يستأنف بعده الجميع حرياته .

 

وقد يكون من الأهم إزالة آثار إنعكاس فرض حالة الطوارىء على الاقتصاد بشكل عام ، فأول ما ينال منه هو تخوفات المستثمرين وإستشعارهم خلل فى الاستقرار الضرورى لإستثماراتهم ، وهو الأمر الذى تظل آثاره بعد رفع حالة الطوارىء ، فقد تذهب آثار الطوارىء بعد رفعها عن الحالة الحقوقية ، ولكنها تبقى لوقت طويل مؤثرة فى الاقتصاد والاستثمار .

 

ما مدي استجابة مؤسسات الدولة لمواثيق حقوق اﻻنسان؟
توفر مواثيق حقوق الانسان خصائص لتحقيق أكبر درجة من درجات التمتع بحقوق الانسان لأى دولة ، وقد يراها البعض ليست حقوق مُباشرة لكنها لا شك مكملة للحقوق المباشرة التى يسردها ويرددها الجميع ، دون وعي بآليات تنفيذ تلك الحقوق .

 

فهناك ثمانية خصائص حقوقية تمثل آليات تؤدى لأشكال حقوق الانسان المعروفة ، وهي المشاركة ، والإتجاه نحو التوافق ، والخضوع للمساءلة ، والشفافية ، والإستجابة ، والفعالية والكفاءة ، الإنصاف والشمول ، والخضوع لسيادة حكم القانون .

 

وهذه الخصائص تسمح بمحاصرة الفساد وحصره في أضيق نطاق ، وأن يتم سماع أصوات أكثر الفئات ضعفا في المجتمع عند صنع القرار ، وتأخذ آراء الأقليات في الاعتبار , وهو ما ينعكس على تحقق التمتع بكافة الحقوق الشخصية والسياسية ، ويتحقق معها مُجتمع متوازن يعلم المتعايشين فيه حقوقه وواجباته .

 

ومن هنا يتضح بجلاء وجود خلل واضح فيما بين ما يُنادى به من حقوق ، وبين ما يجب أن يُطبق من خصائص ، قبدون تلك الخصائص أن تُطبق بإخلاص ونية صادقة ، لن تتحقق لا الحقوق الشخصية ولا السياسية أبدا ، وليظل المُعارضون يتهمون الأنظمة بالانتهاكات ، وتظل الانظمة فى حالة دفاع (غير شرعي) عن كونها مُحققه لمعدلات علية من تلك الحقوق .

 

فمؤسسات الدولة قد تستجيب (لمجرد الوصفات الشكلية) الموجودة فى مواثيق حقوق الانسان ، ولكنها مجرد إستجابة شكلية أو إضطرارية (تحت ضغط المعارضين أو المراقبين) ولكنها فى الحقيقة تفتقد أهم من البحث عن تطبيقها من عدمه ، فهى (ومعها الجميع) يفتقدون لأغلب الخصائص الثمانية التى تُكسِب حقوق الانسان مصداقية وإستمرار وفعالية واقعية .

 

هل لديك إحصائية لحاﻻت انتهاكات حقوق اﻻنسان في مصر؟
اما عن الاحصائيات لإنتهاكات حقوق الانسان فى السنوات الثلاث الماضية فيكفى أن نستشهد بثلاث تقارير رسمية ، الاولى لمنظمة هيومن رايس ، والثانية للشبكة العربية لحقوق الانسان ، والثالثة للمجلس القومي لحقوق الانسان .

 

فتضارب الارقام والاحداث والمشاهدات يشير بقوة لتوجه كل تقرير ونواياه ومغزى ما جاء فيه بشكل سافر ودون أن يقدم أحدهم أدلة واضحة تؤكد مزاعمه (الحديث عن كافة التقارير سواء السلبية أو الايجابية) ومن ثَمَ لأصبحت التقارير خاوية من مصداقية تؤكد صحتها ، وهو ما يؤدى بالتعقل فى تناول هذه التقارير ، والتعامل معها من منطلق سياسي وليس قانوني يستند على الادلة والمنطق والمشاهدات ، وهو ما دفع الكثيرين (ونحن منهم) لتوخى الحذر فى تناول هذه التقارير والاستناد عليها فى التقييم ، حيث هي نفسها زادت من حدة الالتباس فى الآراء والحكم على القضايا .

 

ما رايك في انتهاكات حرية الاعلام وحجب المواقع؟

 

فى إشكالية ما يوصف بإنتهاكات حرية الإعلام وحجب المواقع وما شابه فى هذا السياق ، فمن الضروري الفصل فيما بين : حرية الإعلام (المقروء والمسموع والمرأي والالكتروني) وبين حرية الرأي بشكل عام ، حيث ظهرت إشكالية حرية الرأي بوضوح مع إنتشار الاهتمام بمواقع التواصل الاجتماعي وما لها من تأثير نحو توجيه الرأي العام ، حيث دخلت الآراء على مواقع التواصل فى منافسة ضارية بينها وبين الإعلام المعروف (الرسمي والخاص) .

 

وفى إطار تقييم مقياس الحريات المُتاحة للإعلام والمواقع والشبكات الإخبارية ، يأتي التقييم بسيطاً ومُحدداً ، حيث نستطيع ببساطة تحديد توجه وهوية (وملكية) المصدر الإعلامي ، ومنه نستطيع تقييم ما يتم إتاحته من حريات من قِبل مؤسسات الدولة المعنية بالمحتوى الذى تقدمه الوسيلة الاعلامية .

 

فنجد الصحف والقنوات والمواقع المملوكة للدولة وتتحدث بلسانها ، يتحدد معيار الحريات فيها على ما يدور حول أهل الثقة ، وأصحاب التأييد المُطلق للسلطة الحاكمة دونما أي نقد ، إنما تذهب هذه المصادر لحد بعيد جدا ممن التأييد المُطلق ، غير عابئين بإشكالية الحريات ، حيث لا يجد من يخرج عن السياق باباً ينفذ إليه ولو خِلسة ، فتلك المصادر مُغلقة تماماً على من تتختاره السلطة ليكون لسانها ومُعبراً عنها بإخلاص .

 

ونجد الصُحف والقنوات والمواقع المملوكة لرجال أعمال أو شخصيات من ذوي النفوذ أو كيانات أو شركات خاصة ، يتحدد معيار الحريات فيها تبعاً لمعايير تُحددها مصلحة المالك ورؤيته لتحقق أهدافة التى تكون عادة بعيدة كل البُعد عن المصلحة العامة ، إنما السِمة العامة لكل مُحتوى يُقدم هو المُصادقة على كل أعمال السلطة ، مع إستخدام بعض مُحسنات الأداء وآليات الإقناع غير المُباشر ، وربما إدعاء بعض النقد من باب إضافة مُكسبات لطعم التأييد ، لذلك فالحريات الممنوحة لهذا القِطاع مُرتبطة بإلتزامه بالتأييد (المُقنع) والذى يلبس أحياناً أثواب الانتقاد .

 

وأخيراً فهناك القنوات والمواقع المملوكة والتابعة لأشخاص وكيانات مُناوئة للنظام (أغلبها خارج البلاد) وهي خارجة عن سلطة منح أو منع حريات الأداء ، ولهذا فقد بالغت فى أداء دورها النقدي ومع الوقت تحولت لأبواق ومصادر لإزعاج النظام الحاكم ، ثم تحولت لتأخذ أدواراً مشبوهة من خلال ترويج الشائعات وتأليب المواطنين ، وكان حالها كحال (من أمِن العِقاب أساء الأدب) فأخذت تتطاول وتُسقِط كل أبجديات آداب الإعلام ونشر الرأي الآخر وحتى النقد ، فتحولت لمصادر إعلامية تتسم بأدنى درجات الصفات الإعلامية النبيلة .

 

أما القليل جداً (أفراد) مِمن يُصنفون كإعلاميين فقد تم التضييق عليهم ، وتصنيفهم فى كثير من الأحيان كخونة او مأجورين ، حال مُحاولتهم إستخدام أدواتهم الاعلامية فى النقد (الشريف الايجابى) وياتى ذلك على خلفية حالة الاستقطاب التى أصابت الجميع (مُجتمع ومؤسسات) فالاتهام بالخيانة جاهز عند كل مؤيد لمن ينتقد ، والاتهام بالإنبطاح جاهز عند كل مُنتقد لمن يؤيد ، وذهبت معايير حريات الإعلام بين المُزايدة والاستقطاب .

 

أما مواقع التواصل الاجتماعي ، فلا زالت ومنذ احداث 25 يناير ، تتمتع بحريات رأي مُرتاديها ، حيث يصعب االسيطرة عليها ، وإن كانت ظهرت بعض حالات غلق صفحات (فيسبوك) والتى غالى أصحابها فى الانتقاد ليصلوا لحد التحريض وإفتعال الفتن ، ورغم ذلك لم تكن تلك الممارسات (غلق هذه الصفحات) مؤثرة للحد الذى يمكننا إعتباره قد نال من حرية الرأى على مواقع التواصل الاجتماعي ، والتى تموج فيه الآراء ما بين مُنتقد ومؤيد ، كحالة من حالات زخم الآراء وتصادمها ، وهو ما ينعكس على مؤسسات الدولة ، حيث ما يدور من لغط على مواقع التواصل بين مؤيد ومعارض تستفيد منه الحكومة كأن تجد مُتطوعين يدافعون عنها ليل نهار ، فلا معنى لمناهضة النظام لمواقع التواصل .

 

ما تعليقك عما يثال من اعتقالات وحالات اختفاء قسري؟

 

يكثر الحديث عن اﻻعتقالات المزعومة والإختفاء القسري المزعوم من آن لآخر ، وتختلط فى هذا الصدد الحقائق والشائعات ، بحيث لا يكاد سامعها التعرف على حقيقة أسباب الاختفاء من جانب ، ولا يصدق فى نفس الوقت دفاعات أجهزة الأمن عن نفسها ، الأمر الذى دعا المجلس القومى لحقوق الانسان (والتى تكافح من أجل الحياد فى القضايا المعروضة عليها رغم الضغوط) للتعامل مع هذه الظاهرة ومطالبة السلطات المصرية بالافصاح عن مصير مئات الحالات التى أبلغ بها مواطنون المجلس ومطالبته ببيان مصير أبنائهم فيما يصل الى مئات الحالات .

 

وقد أصدر المجلس القومى لحقوق الانسان تقريرا شاملا عن حالات الاختفاء القسرى وصدر بالغتين العربية والانجليزية بعنوان (الاختفاء القسرى فى مصر بين الادعاء والحقيقة) ، وتأتى أهمية هذا التقرير من أن الاختفاء القسرى من أسوأ انتهاكات حقوق الانسان حيث ينتهك حقهم فى الحرية والأمان الشخصى ويجعلهم عرضة لأخطر أنماط الانتهاكات كانتهاك الحق فى الحياة والحق فى السلامة البدنية كما ينزل بالأسر أوضاعا كارثية وخاصة النساء والأطفال .

 

وازاء تلقي البلاغات عن اختفاء مواطنين نظم المجلس ألية للتعامل مع بلاغات المواطنين باختفاء ذويهم ومطالبة السلطات المختصة بالكشف عن مصيرهم ، وقد انطلق العمل فى هذا المجال من تعريف للاختفاء القسرى طبقا لما جاء فى الاتفاقية الدولية لحماية جميع الأشخاص من الاختفاء القسرى حيث عرفته بأنه (الاعتقال أو الاحتجاز أو الاختطاف أو أى شكل من أشكال الحرمان من الحرية يتم على أيدى موظفى الدولة أو أشخاص أو مجموعات من الأفراد يتصرفون باذن أو بدعم من الدولة أو بموافقتها ورفض الاعتراف بحرمان الشخص من حريته أو اخفاء مصير الشخص المختفى أو مكان وجوده مما يحرمه من حماية القانون) .

 

وتحظر الاتفاقية حظرا قطعيا تعريض أى شخص للاختفاء القسرى ، كما تحظر التذرع بأى ظرف استثنائى سواء كان حالة حرب أو التهديد باندلاع حرب أو انعدام الاستقرار السياسى الداخلى أو أى حالة استثنائية أخرى وفيما عدا الوثيقة المتصلة بانشاء المحكمة الجنائية الدولية فإن المؤسسات الحقوقية لا تشترط أن يكون الاختفاء خلال فترة طويلة من الزمن .

 

وتلزم هذه الاتفاقية الدول الموقعة عليها باتخاذ التدابير اللازمة لتجريم الاختفاء القسرى فى قانونها الوطنى كجريمة منفصلة (مادة4) وعدم الاكتفاء بتعريف الجرائم التى تزامن الاختفاء القسرى كالاختطاف والاعتقال غير القانونى والحرمان غير القانونى من الحرية والتعذيب والاعدام خارج نطاق القانون ، وتعتبره جريمة ضد الانسانية ، وتدعو الاتفاقية الدولية كل دولة موقعة عليها الى تحميل المسئولية الجنائية على أقل تقدير لكل من يرتكب جريمة الاخفاء القسرى أو يأمر أو يوصى بارتكابها ، أو يحاول ارتكابها أو يكون متواطئا أو يشترك فى ارتكابها .

 

ولم توقع مصر حتى الآن على هذه الاتفاقية الدولية الا أن الدستور شدد على ضمانات الاحتجاز فى المواد 54 و55 و99 رغم أنه لم يشر صراحة الى جريمة الاختفاء القسرى ، وطبقا للدستور فان أى مواطن يتعرض للاحتجاز يجب أن يبلغ فورا بأسباب ذلك ويحاط بحقوقه كتابة وتمكينه من الاتصال بذويه ومحاميه فورا ، وأن يقدم الى سلطة التحقيق خلال 24 ساعة من وقت تقييد حريته وتكفل المادتان 55و99 ضمانات عدم تعرض أى مواطن تحتجزه سلطات الدولة لأى مساس بكرامته وعدم تعذيبه ولا ترهيبه ولا اكراهه ولا ايذائه بدنيا أو معنويا ولا يكون حجزه أو حبسه الا فى أماكن مخصصة لذلك لائقة انسانيا وصحيا ومخالفة ذلك يعتبر جريمة يعاقب مرتكبها وفقا للقانون .

 

كما نص الدستور على اعتبار الاعتداء على الحرية الشخصية أو حرمة الحياة الخاصة بالمواطنين وغيرها من الحقوق والحريات ، جريمة لا تسقط الدعوى الجنائية ولا المدنية الناشئة عنها بالتقادم ، وللمتضرر اقامة الدعوى الجنائية بالطريق المباشر .

 

ومن مُشاهدات للواقع فانه من الضروري الدفع بآليات قانونية من شانها النص على تجريم الاختفاء القسرى فى القانون ، والمصادقة على الاتفاقية الخاصة بها وإستحداث آلية اتصال مع وزارة الداخلية والنيابة العامة لفحص الحالات المبلغ عنها مع الاهتمام بأسرهم ، وتعتبر هذه الاجراءات فى حالة تنفيذها مُقدمة للدفع فى إتجاه التحول للقضاء على هذه المُمارسات قبل أن تُصبح ظاهرة مُخيفة تُهدد الحريات .

 تعليقات الفيس بوك

 أخبار ذات صلة

[wysija_form id="1"]

انت لاتستخدم دايناميك سايدبار

جميع الحقوق محفوظة لجريدة البيان 2015

عدد زوار الموقع: 15406562
تصميم وتطوير