الأربعاء الموافق 17 - أكتوبر - 2018م

عماد عنان يكتب: هل تنجح الصين في اختراق حديقة أمريكا الخلفية؟

عماد عنان يكتب: هل تنجح الصين في اختراق حديقة أمريكا الخلفية؟

كُللت زيارة الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو لبكين، الأسبوع الماضي، بتوقيع حزمة من الاتفاقيات شملت العديد من الجوانب الاقتصادية والثقافية، غير أن الأبعاد السياسية والجيواستراتيجية لها بدت أكثر أهمية من تلك الاتفاقيات الموقعة، كونها تمثل دفعة إيجابية لحكومة كراكاس في التصدي للحصار الأمريكي المفروض عليها منذ 19عامًا.

 

 

 

الزيارة التي استمرت قرابة 4أيام والتي تعد الأولى لمادورو منذ تعرضه لهجوم بطائرات دون طيار خلال أحد العروض العسكرية في كراكاس 4 أغسطس/آب الماضي، تأتي في وقت تواجه فيه فنزويلا أزمة اقتصادية طاحنة، ترجع في معظمهما إلى الضغوط التي تفرضها واشنطن عليها طيلة العقود الماضية، إذ بلغت معدلات التضخم 200 ألف في المائة الشهر الماضي، فيما توقع صندوق النقد الدولي وصوله إلى مليون في المائة بنهاية هذا العام.

 

 

 

الاستقبال الحافل الذي قوبل به الرئيس الفنزويلي من قبل السلطات الصينية يعكس أهمية الزيارة لبكين كونها وبجانب نتائجها الايجابية على المستوى الاقتصادي تعد نقلة نوعية في قاطرة النفوذ الصيني خارج حدود أسيا وإفريقيا المعتادة، وخطوة استراتيجية نحو التوغل إلى قلب أمريكا اللاتينية على حساب الحضور الأمريكي الذي يخسر ما بين الحين والآخر معركة جديدة في الحرب المعلنة مع التنين، تلك الحرب التي وإن أخذت طابعًا اقتصاديًا في الظاهر إلا أن البعد الجيوسياسي لا يزال يمثل المحور الأقوى في تلك المواجهات.

 

 

 

تعزيز التعاون

 

 

وقعت كل من الصين وفنزويلا خلال تلك الزيارة قرابة 28 اتفاقية شملت مجالات عدة أبرزها صناعة النفط والغاز والتعدين واستخراج الذهب والحديد والتكنولوجيا الحديثة والاتصالات، إلى جانب أنظمة المدفوعات الإلكترونيّة وتقنيات مكافحة الجريمة والتعليم والصحة والثقافة، كذلك جرى الاتفاق على إطلاق قمر صناعي فنزويلي (رابع) يتم إنجازه بتقنيات مشتركة.

 

 

 

كما وافقت بكين على منح حليفها الجديد قرضا إضافيًا قيمته 5 مليارات دولار، هذا بخلاف تسهيلات أخرى بشأن ديون كاراكاس للصين والتي تبلغ قرابة 60 مليار دولار، وهي خطوة يراها البعض ضخ المزيد من الثقة لمشروع مادورو الاقتصادي الذي بدأ تنفيذه الشهر الماضي والذي يهدف إلى إنقاذ الاقتصاد الفنزويلي ووقف القفزات الجنونية في معدلات التضخم التي أصابت الحياة المعيشية للفنزويليين بـ “الشلل” التام خلال السنوات الماضية.

 

 

 

جدير بالذكر أن النسبة العظمى من القرض الصيني ستتجه إلى تحسين معدلات وكفاءة الانتاج في خط أورونكو النفطي والذي يعد أحد أبرز الخطوط النفطية الغنية في فنزويلا، إذ يمتلك احتياطات تقدر بـ 32 بليون برميل ويزيد، وهو ما يعني طفرة كبيرة في اقتصاد كراكاس حال تشغيله بالشكل المطلوب.

 

 

 

الجانب الصيني ولأجل الدفع في هذا الطريق من المقرر أن يزيد حصته من ملكية شركة النفط الوطنية الفنزويلية إلى 49.9%، ما يعني تمكين حكومة مادورو من مواجهة العقوبات الأميركيّة الكثيفة على قطاع النفط الفنزويلي، والتي كان لها أسوأ الأثر في تراجع الانتاج وإغلاق منافذ التصدير، ما دفع شركات النفط الغربية لرفع قضايا تعويض ضد كراكاس وعليه تم ملاحقة الأرصدة الفنزويليّة في البنوك العالميّة – بدعم أمريكي- من خلال أحكام قضائيّة لمصلحة تلك الشركات.

 

 

وعليه فقد أعلنت فنزويلا انضمامها إلى المشروع الصيني “طريق الحرير الجديد”، الذي يضم خطوط تواصل تجاري وبحري تربط بين 60 دولة، وبذلك تصبح الدولة الثانية في أمريكا اللاتينية التي أعلنت انضمامها للمشروع بعد الأوروغواي وهو ما أثار قلق الأمريكان وحلفائهم بصورة كبيرة.

 

 

وفي المقابل أكّد المتحدث باسم وزارة الخارجية الصينية، قنغ شيوانغ، أنّ زيارة مادورو ستدفع الشراكة الاستراتيجية الشاملة بين البلدين إلى مستوى جديد وخلق مستقبل واعد، وهو ما يفسر – وفق خبراء – احتفاء الدولة الصينيّة ممثلة برئيسها شي جين بينغ ومختلف الكوادر العليا بشكل استثنائي بزيارة الرئيس الفنزويلي والوفد المرافق له.

 

 

ورغم أنها واحدة من أغنى دول العالم في الاحتياطي النفطي إلا أن الوضع الاقتصادي في فنزويلا تدهور بشكل كبير، ما دفع عشرات الآلاف من المواطنين للهرب إلى الدول المجاورة، إذ يؤمن النفط 96% من عائدات البلاد لكن انتاجه تراجع إلى مستوى هو الأقل منذ 30 عاما، حيث بلغ 1,4 مليون برميل يوميا في يوليو/تموز الماضي مقابل معدل إنتاج قياسي حققته البلاد قبل عشرة أعوام بلغ 3,2 ملايين برميل.

 

 

 

تلك العوامل وبجانب الحرب الاقتصادية التي شنتها واشنطن ضدها دفعت بمعدلات العجز إلى الارتفاع لتصل إلى 20% من إجمالي الناتج الداخلي، فيما قفز الدين الخارجي إلى 150 مليار دولار بينما لا يتعدى احتياطي النقد تسعة مليارات، وسط ترقب لمزيد من التراجع خلال الفترة المقبلة حال استمر الوضع على ما هو عليه.

 

 

 

قلق أمريكي

 

 

أثارت الزيارة قلق واشنطن وحلفاءها في المنطقة بصورة دفعت الأمين العام لمنظّمة الدول الأميركية لويس ألماغرو، وبعد يوم واحد فقط من وصول الرئيس الفنزويلي لبكين، إلى التلويح باحتمالية اللجوء إلى “التدخّل العسكري” في فنزويلا وهو التصريح الذي قوبل بموجة غضب عارمة من الجميع.

 

 

 

ألماغرو ، وخلال مؤتمر صحفي على هامش زيارته لمدينة كوكوتا على الحدود الكولومبيّة مع فنزويلا، قال إنه «لا ينبغي استبعاد التدخل العسكري كخيار لإسقاط نظام الرئيس (المنتخب) نيكولاس مادورو» بدعوى مسئوليته عن الأزمة الاقتصادية والإنسانية والهجرة الخطيرة التي تشهدها البلاد حاليًا.

 

 

 

التصريح الذي أدلى به رئيس المنظمة التي تضم 13 دولة في القارة الأميركيّة، وتعتبر منذ تأسيسها عام 1948 صوت أمريكا غير الرسمي في القارة، والخاضعة، إدارة وتمويلا، لواشنطن، يعد أسرع تعليق على تلك الزيارة التي بدت أنها لم تروق للمسئولين سواء في أمريكا أو حليفتها كولومبيا (المعادية لفنزويلا) والتي أعلنت مؤخرًا دخولها عضواً في حلف شمال الأطلسي، وأنها ستضع القواعد العسكرية الأمريكية فيها تحت إدارته.

 

 

عدد من الدول أبدوا استنكارهم لهذا الموقف – غير المبرر – من قبل المنظمة، معتبرين أنه لا يمثل سوى رأي ألماغرو الشخصي بعيدًا عن بقية الأنظمة الأعضاء، حتى وصل الأمر ببعض الأحزاب إلى المطالبة بإقالته من منصبه كونه تحول إلى متحدث باسم الرئيس الأمريكي.

 

 

نائبة الرئيس الفنزويلي ديلسي رودريغيز قالت ان بلادها ستدين الأمين العام للمنظمة بتهمة التحريض على التدخل العسكري في بلادها وإضراره بالسلم في أميركا اللاتينية ومنطقة الكاريبي، وقالت في تغريدة لها إنه “يتصرف بطريقة بشعة ومبتذلة” وحذرت من محاولة اميركية لإحياء أسوأ الذرائع لغزو إمبريالي عسكري في المنطقة وتهديد استقرارها بشكل خطير.

 

 

يذكر أن تصريحات ألماغرو جاءت بعد أيام قليلة مما نشرته صحيفة “نيويورك تايمز” بأن مسؤولين من إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب التقوا سرا بضباط في الجيش الفنزويلي لمناقشة خطط لإزاحة مادورو، لكنهم قرروا بعد ذلك عدم المضي قدمًا في هذا السيناريو، وفي أغسطس/ آب 2017، ذكرت تقارير إعلامية أن ترامب طرح فكرة اجتياح فنزويلا عسكريا. وفي الفترة ذاتها، أعلن أنه لن يستبعد “الخيار العسكري” لإنهاء الفوضى في تلك البلاد.

 

 

 

تمدد صيني

 

نجحت الصين خلال العقد الأخير في توسيع نفوذها خارج الحدود الأسيوية بصورة كبيرة، إذ لم تكتف بتأمين حدودها الخارجية، اقتصاديًا وأمنيًا، فحسب، بل تجاوز طموحها إلى الحدود المتوقعة، متخذة من البعد الاقتصادي جوادًا تمتطي عليه نحو حلم الزعامة التي يراودها في مواجهة الولايات المتحدة.

 

 

فبعد إحكام السيطرة بصورة كبيرة على مفاتيح الاقتصاد الأسيوي استطاعت أن تحقق الهدف ذاته وبنسبة مقاربة داخل القارة الإفريقية وهو الأمر الذي أقلق الأمريكان بصورة كبيرة، وصولا إلى أوروبا التي بات مفاصل اقتصادها بيد الصينيين، إذا بلغت حجم الاستثمارات الصينية في الدول الأوروبية خلال الأعوام العشرة الماضية نحو 318 مليار دولار، بواقع 679 صفقة مكتملة أو قيد التنفيذ أبرمت في 30 دولة أوروبية منذ العام 2008 وحتى الآن.

 

 

كانت أمريكا اللاتينية على وجه التحديد المنطقة الأبعد عن نفوذ بكين رغم القفزات المتسارعة للقاطرة الصينية، ولعل ملاصقتها للولايات المتحدة كان السبب الأكبر في جعلها عصية على تمدد التنين، ومن ثم كانت دول تلك المنطقة طيلة الفترة الماضية تحت مجهر الاهتمام والدراسة من قبل الصينيين.

 

 

الصين وهي تلقي بثقلها وراء مادورو لا شكّ في أنها وإن كانت تسعى للحصول على أكبر مكاسب اقتصادية في تلك الدولة ذات الموارد النفطية الهائلة، إلا أنه في الوقت ذاته تمد كاراكاس بمزيد من أسباب القوة في مواجهة الضغوط الأميركية، لتضع بذلك قدمًا لها في قلب أمريكا اللاتينية، التي تعدها واشنطن حديقتهم الخلفية.

 تعليقات الفيس بوك

 أخبار ذات صلة

[wysija_form id="1"]

انت لاتستخدم دايناميك سايدبار

جميع الحقوق محفوظة لجريدة البيان 2015

عدد زوار الموقع: 24920683
تصميم وتطوير
WP Facebook Auto Publish Powered By : XYZScripts.com