السبت الموافق 20 - أكتوبر - 2018م

عماد عنان يكتب: التصعيد الأمريكي التركي بين الدعاية الانتخابية وحلم الزعامة

عماد عنان يكتب: التصعيد الأمريكي التركي بين الدعاية الانتخابية وحلم الزعامة

تشير بوصلة العلاقات الأمريكية التركية إلى مزيد من التوتر غير المسبوق، ورغم الأسباب المعلنة ظاهريًا بشأن مسؤولية اعتقال أنقرة الطويل للقس الأمريكي أندرو برانسون المتهم بارتكاب جرائم دعم لمنظمة “خدمة” التابعة للداعية المقيم في أمريكا فتح الله غولن وحزب العمال الكردستاني المصنفين – تركيًا – كحركتين إرهابيتين، فإن أبعاد هذا التوتر تتجاوز وبشكل كبير ما تم إعلانه.

 

 

قائمة الخلافات بين أمريكا وتركيا طويلة، فهي تتعلق بمجمل العلاقات السياسية الخارجية للبلدين، كما أنها تتعلق إلى حد كبير بالشؤون الداخلية التركية التي جعلها التحالف الطويل بين البلدين، على مدى 70 عامًا، شديدة التداخل والتأثير، ولكن من طرف واحد هو واشنطن.

 

 

تهديد أمريكي بفرض عقوبات إن لم يتم الإفراج عن القس فورًا، قابله رد تركي مؤكدًا رفضه تلقي الأوامر من أحد، في الوقت الذي يواصل فيه الجانبان مشاورات تفعيل خريطة الطريق المشتركة في منبج شمال سوريا، فما الدوافع الحقيقية وراء هذه الأزمة؟ وبالتحديد ماذا يريد ترامب من التصعيد مع تركيا في هذا التوقيت؟

 

 

 

تصدع في العلاقات

 

 

واقعة برانسون كشفت النقاب عن حجم التوتر الذي تشهده العلاقات بين البلدين منذ قرابة 70 عامًا، فرغم أن نشوء الجمهورية التركية الحديثة بقيادة (أتاتورك) عام 1922 جاء على شكل مواجهات ومناوشات أقرب للاشتباك العسكري والسياسي مع الغرب الذي كان يسعى بقوة كبيرة لاحتلال البلاد وتقسيمها، فإن النخبة في أنقرة كان خيارهم بعد ذلك الاتجاه نحو أوروبا على حساب آسيا، وهو ما أثار حينها الكثير من التساؤلات.

 

 

سياسيًا فقد تبنى نظام أتاتورك النظام العلماني الديمقراطي وبات عضوًا في عدد من المنظمات الأوروبية، على رأسها مجلس أوروبا وحلف شمال الأطلسي ومنظمة التعاون والتنمية الاقتصادية ومنظمة الأمن والتعاون في أوروبا ومجموعة العشرين والسوق الأوروبية المشتركة، بل إن أنقرة ومنذ 2005 تسعى للانضمام الكامل للاتحاد الأوروبي.

 

 

غير أن محاولة الانقلاب العسكري الفاشلة في 2016 أحدثت تغييرًا كبيرًا في الخريطة السياسية التركية، ساهمت بشكل واضح في إعادة التموضع الداخلي وفق أيديولوجيات ومعتقدات وتوجهات جديدة غير التي اعتاد عليها الأتراك والعالم على حد سوء، فلأول مرة في تاريخ تركيا الحديث يستطيع الشعب التركي وقواه السياسية منع المؤسسة العسكرية من كسر الإرادة الشعبية التي يعكسها التصويت الديمقراطي.

 

 

وعلى الفور جاء توجيه أصابع الاتهام لغولن المقيم في أمريكا وجماعته بالتورط في هذه المحاولة، قابلها صمت غير مبرر من واشنطن، ليثير الشك لدى أنقرة، ما أدى إلى تصدع كبير في العلاقات بين البلدين، بجانب بعض المستجدات الأخرى التي رأت فيها أمريكا شذوذًا تركيًا عن المسار المرضي للأمريكان، كاضطرار التقارب مع روسيا ردًا على دعم واشنطن لأكراد سوريا.

 

 

 

تهديد ورد

 

 

البداية كانت مع تغريدة لترامب على “تويتر” قال فيها إن واشنطن “ستفرض عقوبات شديدة على تركيا لاعتقالها الطويل للقس أندرو برانسون، وهو مسيحي رائع ورب عائلة، إنه يعاني كثيرًا، هذا الإنسان المؤمن البرئ ينبغي الإفراج عنه فورًا”، تعليقًا على اعتقال أنقرة له الربيع الماضي بتهم دعم الإرهاب، غير أن محكمة أخرى قررت إطلاق سراحه مع وضعه قيد الإقامة الجبرية ومنعه من السفر لحين انتهاء محاكمته.

 

 

التهديد الأمريكي لم يقتصر على ترامب فقط، ففي مؤتمر لوزارة الخارجية الأمريكية عن حرية العقيدة، قال مايك بنس نائب الرئيس إنه ليس هناك أي دليل موثوق به ضد القس برانسون، مضيفًا أن الإفراج عنه “خطوة أولى مرحب بها لكنها ليست جيدة بما يكفي”، مضيفًا “ما لم تتخذ تركيا إجراءً فوريًا لإطلاق سراح رجل الدين وإعادته إلى دياره بأمريكا فستفرض الولايات المتحدة عقوبات كبيرة على تركيا إلى حين إطلاق سراح برانسون”.

 

لغة التهديد أثارت حفيظة أنقرة التي لم تتأخر بدورها على الرد، حيث أكد وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو أنه من المستحيل القبول بما وصفه بالخطاب التهديدي لواشنطن ضد تركيا الدولة العضو في حلف شمال الأطلسي (ناتو)، موضحًا أنه لا يمكن لأحد أن يفرض إملاءاته على تركيا، ولا يمكن لأنقرة التسامح مع أي تهديد.

 

 

الخارجية التركية دعت واشنطن إلى التخلي عن خطابها الذي وصفته بـ”التهديدي الخاطئ” في أقرب وقت، والعودة إلى مائدة الحوار مرة أخرى، فيما طالبت الرئاسة التركية أمريكا بإعادة تقييم مواقفها في أقرب وقت، وأن تعود إلى أرضية بناءة دون أن تضر بمصالحها وعلاقات التحالف التي تربطها بتركيا.

 

بعض المصادر في الخارجية التركية ذكرت أن أوغلو تحدث الخميس مع نظيره الأمريكي مايك بومبيو بشأن قضية القس الأمريكي، فيما أكد الرئيس رجب طيب أردوغان أن التوتر في العلاقات بين البلدين لم يمنع استمرار التواصل فيما يتعلق بالقضايا والملفات المشتركة، على رأسها خريطة الطريق بشأن مدينة منبج شمال سوريا.
العديد من المصادر داخل الإدارة الأمريكية ترى أن ما يفعله ترامب لا يمثل السياسة الأمريكية تجاه حلفائها بشكل رسمي، خاصة أن الرجل اعتاد منذ قدومه للبيت الأبيض أن يشذ عن القاعدة المرسومة، ليبقى السؤال: ما أهداف ترامب الحقيقية وراء هذا التوتر والتصعيد؟

 

 

أصوات الإنجيليين

 

خبراء أمريكيون يرون أن التهديدات التي أطلقها ترامب ونائبه ضد أنقرة ليس الهدف منها الدفاع عن القس كما عزفت أوتار الإعلام هنا وهناك، إذ إن الهدف الأساسي منها محاولة الحصول على أصوات ولايات “الحزام الإنجيلي” في أمريكا خلال الانتخابات النصفية المقبلة في نوفمبر/تشرين الثاني، لتعويض الخسائر المتوقعة للرئيس على خلفية الفضيحة المستمرة للتدخل الروسي المستمر في الانتخابات، وهجمة الديمقراطيين والليبراليين الكبيرة لكسب مقاعد جديدة في الكونغرس، وانفضاض بعض اتجاهات اليمين العنصري عنه.

 

 

البروفيسور دانييل سيرور عضو الهيئة التدريسية في معهد الدراسات الدولية لدى جامعة جون هوبكنز الأمريكية والخبير في شؤون الشرق الأوسط قال في تصريحات لـ”الجزيرة” إن تهديدات ترامب متعلقة تمامًا بالسياسة الداخلية للبلاد وليست لها علاقة بتركيا، مضيفًا أن وراء هذه التهديدات محاولة من ترامب لإظهار نفسه بمظهر المدافع عن زعيم إنجيلي يواجه اتهامات في تركيا.

 

 

وأوضح أنه وإن كان غير مطلع على الاتهامات التي يواجهها برانسون في تركيا، فإن ترامب يحاول إقناع الإنجيليين بأنه يساند القس، بهدف الحصول على أصواتهم في الانتخابات المقبلة، مشيرًا أن أصوات الإنجيليين قد تُفقد بسرعة بسبب الفضائح التي طالت إدارة ترامب، لذا يعمل على الحفاظ على هذه الأصوات عبر تقديم الوعود لهم والتقرب إليهم في قضايا تهمهم.
فيما ذهب لوكي كوفي الخبير لدى وقف الميراث الذي يتخذ من واشنطن مركزًا له، إلى أن الخبراء يركزون على سياسات الرئيس الأمريكي على أرض الواقع أكثر من تغريداته، مشيرًا إلى ضرورة عدم تجاهل تغريداته أيضًا، مضيفًا أن الخارجية الأمريكية قطعت شوطًا كبيرًا في قضية القس، إلا أن تغريدة ترامب ونائبه بنس أضرت بالقضية وأدت إلى تأزمها.

 

 

كوفي ألمح إلى أن تغريدة ترامب الأخيرة كشفت عدم وجود تنسيق بين البيت الأبيض ووزارة الخارجية، موضحًا أن الرئيس الأمريكي يخاطب عبر تغريداته قاعدته الشعبية دون أن يضع في الاعتبار مسؤوليته كرئيس للدولة، وأن العالم يرى ويراقب هذه التغريدات، مبينًا أن مثل هذه المنشورات تؤثر على السياسات الخارجية للبلاد على المدى البعيد.

 

واختتم الخبير تصريحاته بأن كل أمريكي يرغب في الإفراج عن برانسون، غير أن حل المشكلة لا يكون عبر إطلاق التهديدات ضد تركيا، لافتًا إلى أنه على واشنطن أن تنظر إلى المشهد الأكبر، وأن تفضل المصالح الأمريكية على حزن وانزعاج القس وأسرته، “يجب استمرار العمل مع تركيا لتأمين الإفراج عنه، ولا أعتقد بأن سبيل ذلك هو العقوبات الاقتصادية”.

دوافع أردوغان

 

صحيفة “فيلت” الألمانية في تقرير لها تعليقًا على تصاعد التوتر بين البلدين، أشارت إلى أن تركيا تعول في سياستها الحاليّة في الشرق الأوسط على ضعف الموقف الأمريكي، وقد أكد مستشار الرئيس التركي جميل أرتيم أن الولايات المتحدة ترغب من خلال الضغط على تركيا في اختبار مدى تأثيرها في هذه المنطقة الساخنة.

 

أرتيم صرح بأن الأمر لا يتعلق بالقس الأمريكي وإنما بالطرف الأقوى سلطة، فالولايات المتحدة ما زالت تتعامل بحماقة شديدة، ظنًا منها أن العالم ما زال يقوم على القطبية، مثلما كان في أثناء وبعد الحرب الباردة، ولكن يبدو أنها غير مدركة أنه أصبح متعدد الأقطاب، حيث تتغير فيه موازين القوى باستمرار.

 

 

التقرير أشار إلى أن بين الأسباب التي جعلت الولايات المتحدة تفرض عقوبات على وزير الداخلية التركي سليمان صويلو، تصريحه بأن تركيا “ستُحضر” غولن من أمريكا، منوهة بأن العقوبات التي فرضتها واشنطن على أنقرة، مرتبطة بزيارة الجنرال الأمريكي والقائد العام في حلف الناتو كورتيس سكاباروتي لأنقرة لتباحث الملف السوري، حيث تتصادم المصالح الأمريكية والتركية.

وأضاف أن تركيا تطمح لأن يكون لها الكلمة العليا في سوريا والشرق الأوسط، بيد أن هذا الطموح يصطدم بكل من روسيا وإيران و”إسرائيل” والولايات المتحدة، وتريد تركيا على المدى البعيد التفوق على الجميع، لذلك يمثل استفزازها للجهات الفاعلة في المنطقة طريقة لقياس قدراتها وردود فعلها.

 

 

الصحيفة الألمانية اختتمت تقريرها بأن تركيا تشعر أنها في موقع قوة، وهي تتبع سياسة الصبر وتحاول استغلال كل نقاط ضعف الأطراف الفاعلة، بهدف اتخاذ خطوة جديدة نحو بسط نفوذها في المنطقة، وأردوغان يبحث حاليًّا عن نقطة ضعف الولايات المتحدة، ولا يزال ترامب يقاوم.

 

 

ومن ثم يواصل الرئيس الأمريكي نهجه المعتاد في مخاطبة قاعدته الجماهيرية دون أدنى اعتبار لمصالح بلاده العليا وتداعيات هذا النهج على خريطة تحالفات أمريكا التي ينفرط عقدها حبة تلو الأخرى، ورغم التقليل من شأن تلك التهديدات وتأثيرها على العلاقات بين البلدين – المتوترة بطبيعتها منذ سنوات – فإنها ستضفي قلقًا جديدًا يضع الخارجية الأمريكية في موقف حرج.

 تعليقات الفيس بوك

 أخبار ذات صلة

[wysija_form id="1"]

انت لاتستخدم دايناميك سايدبار

جميع الحقوق محفوظة لجريدة البيان 2015

عدد زوار الموقع: 24993588
تصميم وتطوير
WP Facebook Auto Publish Powered By : XYZScripts.com