الأحد الموافق 21 - أكتوبر - 2018م

عماد عنان يكتب: احتجاجات الأردن والتحرك قبل فوات الأوان

عماد عنان يكتب: احتجاجات الأردن والتحرك قبل فوات الأوان

لليوم الثالث على التوالي يفترش ما يقرب من ربع مليون مواطن أردني الشوارع والميادين، منذ صباح الخميس الماضي وحتى اليوم، احتجاجًا على إقرار الحكومة مشروع قانون جديد لضريبة الدخل وسع الشرائح المشمولة بالضريبة، إضافة إلى زيادة أسعار المحروقات.

 

 

الاحتجاجات التي عمت معظم محافظات المملكة كتصعيد سلمي لتجاهل السلطات الأردنية للإضراب الواسع عن العمل الذي نفذته 34 نقابة مهنية وجمعية، الأربعاء الماضي، وشل معظم المؤسسات الحكومية والخاصة، هدف بداية الأمر إلى الضغط لأجل التراجع عن هذا القانون الذي يعتبره الأردنيون مؤشر إفلاس لحكومة هاني الملقي، غير أنه من الواضح أن سيناريوهات التصعيد ستتجاوز هذا المؤشر نسبيًا.

 

 

إضراب النقابات المهنية والعمالية الأردنية وما تلاه من تظاهرات منددة هنا وهناك، اعتبرها البعض استفتاءً شعبيًا على عدم صلاحية السياسات الاقتصادية المتبعة حاليًّا، وهو ما دفع العاهل الأردني إلى قطع زيارته الخارجية والعودة لبلاده فورًا بعدما تفاقمت الأزمة التي وصلت إلى طريق ربما تصبح فيه السيناريوهات كافة متاحة حسبما تعكس الهتافات التي يعلو سقفها ساعة تلو الأخرى.

 

 

 

رسائل للداخل والخارج

 

المتابع لخط سير الاحتجاجات الأردنية بدءًا من استنكار القانون ثم الإضراب وصولاً إلى الاحتجاجات والتظاهرات التي ملأت الميادين يجد أن السمة الأبرز فيها أنها جاءت بشكل عفوي، بعيدًا عن الإعداد المسبق أو الرعاية الحزبية أو التنظيمية من هنا وهناك، وهنا مكمن الخطورة التي ربما ساعد في إيصال حزمة من الرسائل للداخل والخارج على حد سواء.

 

 

داخليًا.. قدمت الاحتجاجات رسالة مباشرة للقيادة بضرورة الانصياع لرغبة الشعب وتقديمها على توجهات الحكومة الخاطئة خشية ما قد يترتب على ذلك من تداعيات ربما تقود إلى طريق آخر يدفع ثمنه الجميع بلا استثناء، هذا بخلاف ما أكدته على عدم قدرة الحكومات الأردنية من الآن فصاعدًا على التمترس خلف قراراتها التي تمس الشعب.

 

 

كذلك كتبت شهادة وفاة شبه رسمية للأحزاب السياسية التي ثبت وبالدليل دخولها مرحلة الموت الإكلينيكي في ظل إظهار النقابات صلابتها وقوتها في تبني أطروحات المواطن وقضايا الوطن، بعيدًا عن التنظير الحزبي داخل المكاتب المكيفة وأروقة الموائد المستديرة.

 

 

وأخيرًا، يعد هذا الإضراب غير المسبوق في تاريخ المملكة منذ عقود الذي انضم إليه نقابات مهنية عمالية وأحزاب سياسية وبعض أعضاء مجلس النواب رسالة قوية واستفتاءً شعبيًا على عدم صلاحية الحكومة الحاليّة، والرفض الكامل لكل ما تبنته من سياسات وإستراتيجيات أثقلت كاهل المواطن بصورة كبيرة.

 

 

خارجيًا.. قدمت الاحتجاجات رسالة قوية إلى المؤسسات الاقتصادية الدولية وعلى رأسها صندوق النقد الذي يسعى لفرض شروطه على الحكومة في مقابل تقديم تسهيلات مالية، مفادها بأن الشعب الأردني بات غير مدجن على الأخذ بتلك الإملاءات التي تستهدف الاستعمار من باب الدعم.

 

 

كذلك حملت – وإن كانت بشكل غير مباشر – تهديدًا للدول العربية التي كفت يدها عن تقديم الدعم للأردن الفترة الماضية، وعلى رأسها السعودية، بأنها لن تكون في مأمن لو تعرضت المملكة إلى عدم استقرار أو فوضى، إذ من المحتمل أن يتجاوز التصعيد الخطوط الحمراء بما ينسحب تداعياته خارج الحدود الجغرافية.

 

 

تصعيد غير مسبوق

 

تسير الاحتجاجات المندلعة بصورة عشوائية وعفوية ودون تأطير سياسي أو نقابي إلى آفاق جديدة من التصعيد، ربما لم تشهدها المملكة منذ عقود، حيث نشبت مواجهات بين المواطنين وقوات الأمن في عدة مواقع تخللها إطلاق رصاص ومحاولات اقتحام بعض المنشآت البترولية.

 

 

 

كذلك تم إغلاق طريق المطار الرئيسي عبر تجمعات حاشدة، أسفرت عن حدوث عدة اضطرابات في الأغوار ومعان وقرية الطيبة، كما أصيب – بحسب نشطاء – خمسة مشاركين بالهراوات وثلاثة من رجال الشرطة بالرصاص، فيما قضى آلاف الشباب ليلتهم مغلقين الطرق المؤدية إلى مقر رئاسة الحكومة حتى صباح اليوم.

 

العديد من الأصوات تطالب بموجة تصعيد أخرى خلال الأيام القادمة، إن لم يتم التعامل مع متطلباتهم بصورة أكثر جدية، ربما تصل على يوم الأربعاء القادم إلى عصيان مدني شامل، وهو ما قد يشل أركان المملكة بأكملها، ويضع النظام في مأزق حقيقي حينها.

 

التصعيد الأبرز كان في بلدة المزار الجنوبي التي تجاوز سقف الهتافات فيها المطالبة بإسقاط الحكومة إلى إسقاط النظام، وهو المؤشر الذي أثار قلق الملك والمقربون منه بصورة كبيرة، ربما تكون الشرارة نحو إصدار حزمة من القرارات التسكينية للشارع الذي يعاني من الغليان.

 

 

 

اجتماع إنقاذ الممكن

 

فجر اليوم السبت، عقد الملك عبد الله الثاني اجتماعًا طارئًا بمقر مركز الأزمات بعدما قطع زيارته الخارجية لدراسة الأوضاع والمستجدات على الساحة الميدانية خلال الساعات الأخيرة الماضية، حيث اتخذ سلسلة من الإجراءات السياسية والأمنية على رأسها تجميد القانون الجديد الذي أثار تلك الانتفاضة الشعبية.

 

 

رغم إيعاز العاهل الأردني لحكومته بوقف القانون أمس الجمعة، فإن الشارع لم يهدأ بعد، حيث استمرت التظاهرات التي عمت معظم محافظات المملكة، وهو ما ساهم في خروج بعض التكهنات التي تسربت عن نتائج الاجتماع الذي استمر حتى ساعة الفجر تشير إلى أن إقالة حكومة هاني الملفي باتت مسألة وقت، في محاولة لامتصاص غضب الشارع، إذ بات الحد الأدنى المنطقي في أزمة من هذا الصنف.

 

 

الضغوط التي تواجهها عمّان، خارجيًا على الأخص، سواء من جيرانها أم أشقائها العرب الملوحين بوقف دعمها لتباين وجهات النظر حيال بعض الملفات، فضلاً عما تعانيه من ابتزاز أمريكي وإسرائيلي واضح، ربما يدفع القيادة بها إلى تجنب أي تصعيد يؤجج الوضع داخليًا، ولعل هذا ما يرجح التكهنات التي تسربت بإقالة الحكومة بنسبة كبيرة خلال الساعات القادمة، حال استمرار الاحتجاجات بالصورة التي هي عليها الآن.

 

 

كن يبقى السؤال: هل يرضي إقالة الحكومة طموحات المتظاهرين؟ بالطبع ليست المشكلة في شخص الملفي ولا غيره، إذ إن السياسات العامة المتبعة وما أفرزته من مناخ اقتصادي ومعيشي مترد، انعكس بصورة سلبية على المواطنين، هو الهدف الذي ينشده المحتجون في المقام الأول.

 

 

لذا المقربون من دوائر صنع القرار في عمّان يتوقعون، بجانب إقالة الحكومة، تبني سياسات جديدة خلال الفترة المقبلة تعتمد وبشكل كبير على تقليص الضغوط الممارسة على المواطن، وزيادة مخصصاته، وعدم المساس بحصة الدعم المقدمة التي تنعكس سلبًا على حياته المعيشية.

 

 

الوقت قد لا يكون في صالح السلطات الأردنية، ولعل هذا ما يجعل مركز الأزمات في عمّان في انعقاد دائم، وهو ما يعيد إلى الأذهان تظاهرات الخامس والعشرين من يناير في مصر، حين خرج المتظاهرون أول الأمر، مطالبين بإقالة وزير الداخلية حينها، حبيب العادلي، وفي ظل تجاهل هذا الطلب وتصعيد الأمن ضد المحتجين، ارتفع سقف المطالب ليصل إلى إقالة الحكومة، ومنه إلى المطالبة بإسقاط النظام.

 

 

جدير بالذكر أن التعديلات على القانون الجديد، شملت تخفيض الإعفاءات للعائلات إلى 16 ألف دينار نزولاً من 24 ألف دينار حاليًّا، والأفراد إلى 8 آلاف دينار بدلاً من 12 ألف دينار، وقسم مشروع القانون دخول الخاضعين إلى خمس شرائح كل شريحة مقدارها 5 آلاف بنسبة ضريبة تتراوح بين 5% إلى 25% من الدخل المتحقق، بدلاً من القانون الحاليّ الذي يخضع الأفراد إلى 3 شرائح تتراوح نسب الضريبة عليها بين 7% إلى 20%، تبدأ من 7% على أول عشرة آلاف، و14% على ثاني عشرة آلاف، ونسبة 20% لما زاد على هذا الدخل.

 

 تعليقات الفيس بوك

 أخبار ذات صلة

[wysija_form id="1"]

انت لاتستخدم دايناميك سايدبار

جميع الحقوق محفوظة لجريدة البيان 2015

عدد زوار الموقع: 25039865
تصميم وتطوير
WP Facebook Auto Publish Powered By : XYZScripts.com