الخميس الموافق 22 - يونيو - 2017م

رواية متروبول للروائية “ريم ابو عيد “تناسخ الأرواح بين الواقعية والرمزية والميتافيزيقية

رواية متروبول للروائية “ريم ابو عيد “تناسخ الأرواح بين الواقعية والرمزية والميتافيزيقية

كتب :وليدعبداللطيف

 

 

رواية متروبول تناسخ الأرواح بين الواقعية والرمزية والميتافيزيقية رواية للكاتبة ريم أبو عيد
ورؤية للمستشار الأديب والناقد صالح شرف الدين

 
عمر اسماعيل سراج البطل، يترك كل شيء ويتفرغ لكتابة الروايات، يسيطر عليه إحساس أنه عاش حياة قبل حياته الحالية، ويحب بعنف فتاة ظهر له وجهها في إحدى غرف فندق (متروبول) بالإسكندرية، يشعر بطيفها يلاحقه، وتشغله لدرجة توصله لحافة الإنهيار العصبي، ولا يشعربسعادة كاملة في تواصله مع أي امراة، ويبقى بلا زواج يفكر في كيفية العثور على هذه الفتاة التي ملكت كل أقطار روحه وعقله، أما سارة رياض البطلة فتاة رائعة الجمال، حصلت على ماجستير إدارة أعمال وتدير أعمال والدها، ومنذ كان عمرها خمس سنوات، وهي تقول لمن حولها: أنا سارة موسى سمعان، وتحكي عن حياة كاملة عاشتها قبل حياتها الحالية، تذكر أسماء الأشخاص، وتصف الأماكن بصورة تماثل الواقع تماما، والذي مر عليه عشرات السنوات.

 

 
عمر يبحث عن تلك الفتاة المجهولة، التي تظهر له طيفا وتختفى، ويطلب عمر من صديقه سليم أن يرسم له سارة من خلال وصفه لها، فينجح، ويضع الصورة على حاسبه وفي حافظة نقوده، وسارة تبحث عن حبيب روحها الذي عشقته بجنون (ماريو جيانو) الممثل الإيطالي الشهير في منتصف القرن العشرين. تشاهد سارة عمر سراج في التلفاز يتحدث عن إحدى رواياته، ترى فيه عشقها الأول (ماريو) وتبدأ رحلة البحث عنه بإصرار، فقد رفضت كل من يتقدم ليتزوجها لأنها تبحث عنه منذ سنوات.

 

 
تسافر من الإسكندرية للقاهرة، وتسأل عنه، وتحاول مهاتفته،ولا توفق، وأثناء عودتها للإسكندرة تراها زوجة صديق عمر دينا، وتعرف اسمها وتليفونها وتقوم بتصويرها دون أن تشعر، عمر يذهب إلى الطبيب النفسي وفي جلسات التنويم المغناطيسي، يدلي بمعلومات يندهش لها الطبيب، وتصل بعمر لحافة الجنون، يروي كيف ماتت سارة سمعان بين يديه بعدما أطلق عليها جندي ألماني النار فأصيبت بأعلى البطن وماتت، وكيف حققوا معه، وأطلقوا سراحه لأن ألمانيا هزمت في الحرب، وانسحبوا بسرعة، دينا تخبر عمر بما عرفته عن فتاته، يرى الصورة وينبهر بها، ويتصل بسارة، ويطلب لقاء سريعا، تعرف سارة صوته، التقته بعد عدة أيام، ليواصلا قصة الحب التي انتهت نهاية مأساوية، والعجيب أن هناك ندبة في أعلى بطن سارة رياض في المكان نفسه الذي اخترقته رصاصة الجندي الألماني الذي قتل سارة سمعان.

 

 
الرواية تبدأ ببحث عمر عن سارة، وبحث سارة عن عمر، تبدأ بالحث وتنتهي باللقاء الأسطورى بين اربعة أجساد وروحين ،روح سارة سمعان التي عشقت روح ماريو بجنون، وأخفت عنه أنها يهودية حتى لا يكرهها ،وروح ماريو الذي أحب سارة بجنون ،وبكاها وبكى الجنين الذي مات في بطنها بسسب سوء فهم كان هو سببا فيه، وبين روح وجسد عمر سراج، وروح وجسد سارة رياض، وبين البداية والنهاية عشرات من الأماكن والأسماء، تلتصق بالواقع، وتتعلق بالزمان والأشخاص وتشارك في الأحداث، وتثير الكثير من القضايا برقي ودون مبالغة: المساحات الواسعة بين الأقوال والأفعال، الفروق الطبقية بين الناس، اليهود قبل الحرب العالمية الثانية، وأثناء الحرب في الإسكندرية.. تتكيء الرواية على التحليل النفسي والاجتماعي، الحب وكيف يتجاوز كل الحدود، الأرواح التي لا يحدها حد، روح سارة سمعان التي تعيش حياة ثانية من خلال سارة رياض، وروح ماريو التي تواصل قصة حبها من خلال عمر سراج، وتبقى الروح رغم كل شيء سر الأسرار.

 

 
الكاتبة اعتمدت على الرجوع للماضي لحكاية الأحداث، وبصورة موازية للحاضر، يمتزج الماضي بالحاضر ولا يفصلهما إلا خيط رفيع، رسمت الكاتبة شخصية الأبطال فزيائيا واجتماعيا ونفسيا (ص135)، عالجت قضية تناسخ الأرواح بصورة عبقرية، ودون تنظير اتكأت على البعد الواقعي فيما حكته سارة رياض وتطابقه مع الواقع، وأشرطة التسجيل التي سجلت كلام عمر سراج عن ماريو ونهاية دانيال وسارة سمعان المأساوية، والعمق الرمزي لشخصية عمر سراج وما تمثله واقعيا، وشخصية سارة سمعان وما ترمز إليه كيهودية وكإنسانة، والبعد الميتا فيزيقي في مسألة تناسخ الأرواح لا يمكن إغفاله، ومما يحسب للكاتبة السرد المتدفق المتعمق للنفس الإنسانية، واللغة السهلة، والتي أغرقت في الواقعية ببعض الألفاظ العامية، أما الألفاظ التي كتبت بالحروف اللاتينية (كلمات الأغاني) مثلا فحولها جدل واسع، ومما استحسنته في الرواية تصويرها للعلاقة الحميمة بين العاشقين ببراعة قالت كل شيء ولم تقل ما يخدش الحياء: “نهل من نبع أنوثتها حتى الثمالة، وسكرت من خمر رجولته”، (ص150 ،151)، حتى الفصول التي بدأت بما يشبه الحكم والأقوال المأثورة فقد أدت دورها كعتبات للأحداث تلطف درجة التوتر.

 

 

كثرة الرجوع للماضي، وكثرة الأسماء، والأماكن، تجعل من يريد الفهم مع الاستمتاع يركز أكثر، ويعود ليجمع أطراف الأحداث فيرى كيانا ممتعا.

 
إن رواية (متروبول) تستحق المزيد من الرؤى والدراسات المتعمقة لها.

 

 تعليقات الفيس بوك

 أخبار ذات صلة

[wysija_form id="1"]

انت لاتستخدم دايناميك سايدبار

جميع الحقوق محفوظة لجريدة البيان 2015

عدد زوار الموقع: 14624546
تصميم وتطوير