الأحد الموافق 19 - أغسطس - 2018م

بين الأمل و الضياع

بين الأمل و الضياع

كتبت : شيماء اليوسف

كتبت تراسلني أحدى صديقاتي التي كنت قد تعرفت عليها عبر الإنترنت أن صحيفة ما تطلب مراسلين لها من الأقاليم فنصحتني بأن أتوجه لطلب الحصول على وظيفة فحصلت على رقم هاتف أحد مسئوليها واتصلت به فحدد لي موعداً بالمقابلة ، وعلى هذا النحو سافرت وقدمت كافة أوراقي اللازمة وبعد أيام قلائل عاودوا الإتصال بي وابلغوني أنه تم قبولي وعليّ أن أكرر زيارتي لمقر الصحيفة في أقرب وقت لتوثيق عقد العمل ؛ زف صدري بسينات الفرح أن حلمي سيغدوا حقيقة وفوجئت بشرط في العقد يقتضي علىّ أن أكون ” آنسه ” آه هذا ما الذي لم أضعه في الحسبان ، مكثت بحيرتي طويلاً ثم عزمت على مصارحة مدير العمل أنني ” مطلقة ” ولست آنسة ولكن لديّ ما يؤهلني لتقلد مهنتي بحرافية ، طلبت من نائبته مقابلته وأعطت لي موعداً بمساء الغد قلت في خاطري حسناً و روحي ملبدة بالغيوم المرتعبة ، وفي اليوم التالي إلتقيت بالسيد ” وهيب العاصي ” أخبرته بأني ” مطلقة ” وأبحث عن عمل لأنفق منه على طفلي ، وأنني اجتزت جميع الأختبارات الخاصة بالمتقدمين قاطعني ، رافضاً… دون الحاجة لأي مبررات ، ثم تركني وانصرف مسرعاً ، كررت زيارة مكتبه لسبعة أيام متتالية وفي كل مرة يرفض شعرت بحالة من اليأس و عزمت على العودة لبلدتي المسكينة ، وأنا في طريقي لاحظت مجموعة من الأشخاص يطاردون شخصاً وقد أبرحوه ضرباً ثم هربوا وتركوا الضحية تنزف ، أسرعت إليه وحاولت مساعدته فنظرته وكانت المفاجأة أنه ” العاصي ” يا الله ! لم اتوقع هذا ؛ طلبت ” النجدة ” فاقبلوا لإسعافه ، ظللت لجواره في المشفى ليلتان حتى استقرت حالته واستفاق ثم قال لي : أأنت ” صبرين ” ؟ قلت له : ” نعم أنا المطلقة ” فاحسست خجلانه بشعور من الخزى ثم طلب مني أن أسرد عليه حكايتي ؛ وبدى لي شريط حياتي يوماً تلو اليوم يمر أمام عينيا وأنا أقصص عليه مواويلي .
كان عمري لم يتجاوز الرابعة عشر عاماً وتقدم لخطبتي شاب من أبناء القرية ، مثلما اعتاد أهلها تزويج بنياتهم في سن صغير لم يدر برأسي أي شئ حينها وتتالت الليال ثم فوجئت بقرار عائلتي أن السبت القادم خطبتي لأبن العم ! لم أفهم لماذا ؟ لكنه بحسب العادات والتقاليد كان الأمر يدفعني طوعا ًوانصياعاً على القبول ولا مجال لسماع رأيي أو طرح وجهة نظري ، حيث أن الأنثى في مجتمعي ليس عليها إلا السمع والطاعة وأن تلزم القناعة ؛ ووجدت نفسي مجبرة على تنفيذ الأوامر الأبوية بغير التراضي أو الإقتناع ، ربما أكون مخطئة في تقييم تلك الأعراف الموروثة ! لكن أهل حياتنا لهذه الدرجة ليست لنا ؟ أهل ليس من حقي أن أعترض ؟
ازداد الأمر تعقيداً عندما علم والدي برفضي للزواج من ابن اخيه فامتنع عن إعطائي المصروف المدرسي ولم يحضر لي ثياب المدرسة الجديدة أو حتى يدفع لي مصاريف الكتب الدراسية وخضنا معاً معركة خصام ونزاع استمرت سنة كاملة وأنا أحاول تخليه عن قراره الغير مدروس لكن لا مفر .
وبينما وأنا على ذمة ( خطيب ) حصلت على شهادتي الإعدادية ثم تطور الوضع سوءاً فعلاقتي بابن عمي لازالت غير محمودة وليس لديّ رغبة فيه وأنا على مشارف الدخول في المرحلة الثانوية وجدت أبي يضع لي كل العقبات ويحطم أمامي سلم الفلاح ، ظناً منه أن الزواج هو الأصلح لي وفيه غايتي وسعادتي التي أجهلها ؛ فقررت العائلة أن تعقد قراني بغية فض النزاع المتلاحق ؛ والحقيقة كنت لا أفهم فحوى ” عقد القران ” هذا ، غير أنه شكل من أشكال توثيق العلاقة بين طرفين غير متفقين أو متفقين ، ثم مُنعت من الذهاب للمدرسة فكنت اتطلع كل صباح نافذتي فأنظر إلى رفيقاتي وهن يذهبن للمدرسة دون أنا فيتوجع قلبي وأشعر بنوبات ضيق تخنق أنفاسي ؛ أيقنت أن لا مهرب لي من هذا القدر المحتوم والحياة التي لم اخترها وبدأت أهيئ نفسي لتقبل الأوضاع بأي شكل واحسن علاقتي بذلك الخطيب الذي لا يجمع بيننا شئ سوى صلة القرابة .
في جمعة العيد رتبت العائلة حفل الزفاف ! كنت حينها أحتفل بعيد ميلادي الخامس عشر وأنا في قمة البؤس وفي ليلة وضحاها وجدت نفسي في بيت غير الذي درجت فيه خطايا الأولى وبينما كنت اتعلق بذراعي جدتي عند نومي واتشبع بحنانها ، تخيفني ذراعي رجل لا يفهمني ولا أفهمه .
وانتقلت مهامي من عمل الواجب المدرسي لمسئوليات أكبر لا علم لي بها ولا أملك الميكنة على إدراتها ولا سبيل في إيجاد حلول تسمح لي بالتأقلم عليها .

كان الواقع المؤلم هو من فرض عليّ الفشل وربما كان تلك الفشل نتيجة حتمية لحياة يغمرها العبث وعدم الإدراك بالمسئوليات والتسلط الأبوي يعيبها بالخلل وضيق الأفق ، فقد كانت حياتنا أشبه بقصة خرافية لم ينجح المؤلف في إتقان حبكتها الدرامية ، فكل ما كان يمر بنا لا يمكن إدراجه كرباط مقدس ولا يمكن أن يقدس من الأساس ، فأنا لازالت أتعامل معه بحكم طفولتي وعقلي الذي لم ينضج بعد ، غائبة عني كافة مشغولياتي كزوجة حتى أنني لم أفكر باستيعاب في تحسين صورة الممارسات الزوجية بيننا ، ربما هو الآخر أصابه عمى التدبير في تسوية الأمور قدر المستطاع ، لكن لا أدري إن كان غروره صحبه لطريق نهايتنا أو أن عقله كان طفولي بنفس عدم نضوجي أو ظناً منه أنني أعامله بخبث ولو أردت إنجاح هذه العلاقة لفعلت ؛ حتى أن قراراتي التي عكفت على اتخاذها كانت مرصعة باللاتقدير واللافهم ربما وصلت لحد اللاإنسانية ؛ فقد تركت منزلنا دون علمه ونحو زواية المحطة مضيت ، كان السقيع يعض قدميا ويديا ترتعش هاربة من هذا الجحيم الروحي لا أعبء بأي شئ غير أن أفر من هذا السجن الذي قيد طفولتي وخنق أحلامها الصغيرة و عبر درجات سلم المحطة يقف هذا العجوز متكئ على عكاز أصم وعيناه هارب منهما النور ، يقف على ظهره أعباء الدهر وأوجاعه فلا يملك الوقوف معتدلاً ؛ ومستنقعات اللامسئولية تخزله تلقي به لمهاوى الردى ؛ يشير بإصبعه للمارة دون صوت عسى أن يلتقفه أحد من هؤلاء العابرين فيلحق به لحيث الرصيف الآخر ، فيرحل في عربة القطار من بلاد بلا رحمة لبلاد مثلها ، والجميع يعبره دون الوعي ، فقسوة الشتاء تأخذهم فتعم أعينهم ؛ ولم أشعر إلا ويدي تعانق يده وكأن أرواحنا المنكسرة تلاقت معاً في آن واحد .
فُزعت العائلة بمجيئي ورفضوها رفضاً منقطع النظير ثم هموا بإعادتي لحظيرة الزوجية مرة آخرى فقررت البقاء في غرفة طفولتي التي لازالت قائمة معبئة بعرائسي و كتبي ومذكراتي الدراسية ، حتى أن قراري بعدم العودة لزوجي كان قراراً فاسداً خاصة لأنني أحمل ” جنين ” لا ذنب له إلا أنه ابن لأبوين غير عاقلين وارغما معا على العيش دون رغبتهما فيه ، لماذا يدفع هذا المسكين ثمن أخطاء عائلة كاملة الجهل طمس بصائرهم ؟ ياربي كم هم عرابيد ! أهل كل شئ نخفق في علاجه ننسبه للجهل ؟ كم يقرض هذا الجهل من قوت أعمارهم !
لم يمض على زواجنا ثلاثة أشهر إلا وحدثت الصاعقة وتم ( الطلاق ) كانت الواقعة تعتبر فاجعة وصدمة بل كارثة بالنسبة لعائلتي لاسيما مستقبل ذلك الطفل الذي سيأتي للدنيا بعد عدة أشهر ؛ خاصة أن وضع العائلة في القرية لا يقبل إطلاقاً أن تكون إحدى بنياتها ( مطلقة ) لم أحسب لكل تلك الأشياء أي حسبان ! فعدم إدراكي للمهمة من بداية الأمر جعلني لا أعي عواقب تصرفي وقراري السريع ، بذلت العائلة كل ما لديها لكن محاولاتهم عادت بالفشل ، اتهمت بالجنون وبالعشق وباللبس من الجن فجلبوا لي العرافين و احضروا لي الأطباء والشيوخ ولم يعطوا لأنفسهم لحظة للوم ذاتهم .
حاولت الإنتحار مراراً لكني لم افلح ثم استقبلت رضيعي ليشاركني أوجاعي ويقسم معي صرخاتي المتناحرة فجهلت التعامل مع هذا المسكين ووجدت نفسي طفلة تربي طفل فلا يوجد تكافوء بيننا ، فأعمارنا المتقاربة جعلتني أشعر أنه صديق أكثر من كونه طفلي ، وجدت نفسي أعيش حرب نفسية لا استطيع تحملها فقد فشلت في أن أكون ام فشلت في استكمال دراستي فشلت في حياتي الزوجية حتى وصل بي الأمر لأن يذلني الخلائق لمجرد أني ( مطلقة ) فأخلاق القرية وثقافتها ترفض ذلك .
قررت أن أغير مسار حياتي وأعود لدراستي مرة آخرة فرفضت العائلة ؛ وشعرت بالخذلان والعجز ، لم اعيرهم أي إهتمام هذه المرة فرسبت في أول تجربة وكررت الرسوب في السنة الثانية ونجحت في الثالثة حتى أتممت شهادة الثانوية العامة وبدأت أفكر في دخول الجامعة .
الحقيقة أن بوابة الجامعة كانت بالنسبة لي ” حلم ” محال أن يُنال ولكن الإرادة جعلت من المستحيل واقع قوي وحقيقة فرضت نفسها على كل طواغيت الجهل ؛ فقاومت كل أسواري بمفردي و وقفت أمام هذا الواقع الصادم وعلى كتفي ” طفل ” لا أقبل أن يراني منكسرة محطمة الرجاء مغلولة الأيدي عاجزة ، وكل الأبواب حولي يخرج منها سياف ليطعن أحلامي ، فهذا سياف الجهل يرصدني وذاك سياف الموروثات يعزبني وبالمثل سياف الدين يقلق نومي ثم سياف الأعراف لا يعبأ بقتلي ولم أجد سياف واحد يقف بوجههم ويزعق فيهم أن يتركوني وشأني ! فلماذا تعاونتم على محاصرتي وتقييدي ؟

لقد وافق والدي على دخولي الجامعة لما أحس بكيد أقاربي مني لأني الفتاة الوحيدة التي تدرس بالجامعة من بينهم وحتى لما إلتحقت كطالبة بالجامعة ، خفت أن أخبر زملائي أن لديّ طفل لإلا يطردونني من الجامعة كما طُردت من المدرسة ؛ وأنا كالحرية التي استطال قهرها تبحث في كل الجدارن عن متنفس ، ترتجي ضوء شمعة ليستنير دربها بعد أن كبلونها بالظلام المميت ، استوطنتني غربة وسرقت طفولتي المرتجفة واخترقت أنوثتي المفقودة ، أجلس على حافة القهر أنتظر هناك معجزة كي أخرج للنور فلم تأت معجزة وخانوني العرابيد معلنين وفاتي مارين فوق جثتي دون رغبتي ثم وضعوني في تابوت الظلام وكادوا أن يدفنوني فحكموا عليّ بالموت الحي لكن شتان لهم جميعاً فهل خلقت الأنثى لكي تُقهر ؟
أي ذنب اقترفته ليعاقبني المجتمع عليه ؟ فدواخلي انتهكت وهُتك عرض روحي الشجية والمارة ينظرون لي بعين السخط والجشع فقط لأني مطلقة ! فأين رجولتكم ؟ ولماذا لا تملون من العبث بمشاعري ؟ أي شئ قادكم إلى أن تكونوا مزعجين سفهاء ؟ ترتدون أقنعة العفاف والطُهر وأنتم ملوثون ، تمثلون التخلق بالأدب وكلكم قليلي الأدب مدنثون ؛ فكوني مطلقة لا يعني أني سأقبل أن أكون مرتعاً للأوبئة .
حاولت أن أخرج من معتقلي الثقيل وجدت صفعات المجتمع البائس تهزمني حدفاً وتكبدني خسائر نفسية وتقذفني بشظايا الرفض المنيع وكآني أخترت أن اسب وأهان وأذل وأني حملت وثيقة طلاقي بإرادتي وليس للقدر أي دور ، فسرت في الطرقات أضرب الحصى بانتحابي الشديد ومسجد حريتي محاصر ، فتوقف الكون أمامي مكبلاً واشتد صغيري في الصياح وكآن صرخاته اهدتني يرقات الأمل في السبيل إلى الحياة فصرخت في كل متعفن و كل تخلف و كل ظلم ووضعت قدميا على أرصفة الكفاح كي أعيش بلا قيود .
لأجل صغيري عادنت عبء الزمان وثقلاته ليكن لي ” بطلاً ” فكنت له الأم والأب وعلى مرمى البصر الذئاب تحدق بي متقمصون في متسول شتائي يقرعون لخاطري طبول الليل ليرغموني السقوط والإنصياع كالحوش يبحثون عن فريستهم فوجودا بي ضالتهم ، فخيبت ظنهم وخلقت من بكارة أنوثتي ذكراً مصقولاً بصلابة الرجال الأشداء فخافني الجبناء وحموت نفسي بنفسي ورغم خشونتي الغجرية كنت استحيل طفلة بطفولته فنلهو معاً ونلتقط ( السلفي ) ونحن في طريقنا لمدرسته فكان الصغار يضحكون منا ويقتربون ، فلأجله رسمت بأدمعي الضحكات كي لا يشعر بآلامي ولأجله ساغير عقارب الزمان إلى أن يسطر التاريخ حروفه باسمي .
لم اشعر بنفسي حينما كنت استطرد هذه العبارات الغليظه على مسامع ” العاصي ” ترقبته لحيظة يبكي و آخرى يغضب ثم وجدته يحطم لوائحه العملية ويوافق على إنضمامي لأسرة صحيفته وقال لي في تأهب : ” لن أكن أنا الأخر شوكة في حلق مستقبلك سأسمح لكِ معنا بفرصة النجاة ولتعديني بالنجاح ” سمعت كلماته وشعرت أنني وضعت قدمي على بداية الطريق .

 تعليقات الفيس بوك

 أخبار ذات صلة

[wysija_form id="1"]

انت لاتستخدم دايناميك سايدبار

جميع الحقوق محفوظة لجريدة البيان 2015

عدد زوار الموقع: 23539332
تصميم وتطوير
WP Facebook Auto Publish Powered By : XYZScripts.com